قرأت تعليقات كثيرة على مقال الشاب حذيفة زوبع ومع أنني لا أعرف الكاتب، ولا وضعه التنظيمي داخل الإخوان، وهل هو من الذين يعملون ويشاركون ويعرقون ويكافحون ويدلون بآرائهم وأفكارهم الشبابية غير المتقيدة بالصندوق والمتطلعة إلى آفاق أرحب للعمل، أم أنه من أولئك الممارسين للنقد من على لوحات المفاتيح والمنظرين من على أرائك المتفرجين؟

وأيا ما كان وأيا من يكون فيجب أن نناقش مقاله ونرد عليه بهدوء، مع عدم الانشغال، بمن هو وابن من؟ ولماذا يكتب الآن؟ ولماذا يكتب في المكان الفلاني؟ لأنه سيكون هروبًا من مناقشة المقال والاهتمام بالخلفيات والحواشي.

بادئ ذي بدء هو مقال يستحق القراءة والمناقشة. وفي محاولة لقراءته ومناقشته أقول:

(1)
بخصوص الإشاعات التي ملأت الساحات وينسبها الكاتب إلى القادة، فمن يستدعي الوقت والأحداث سيرى من كان يروج هذه الإشاعات، ومن كان يتبناها؟ وهم صبية الإعلام ومحدثو الأضواء، وكان كثير من الشباب ينساق وراءها. ولو حدث وانساق وراءها مسئولون أو تبنوها فمخطئون بالطبع لا جدال في ذلك.

وبذل كثير من الغيورين أيامها مجهودًا كبيرًا في التحذير منها والرد عليها. ومن يتابع كتاباتهم أيامها سيجد أنها تنصب بالدرجة الأولى على عدم الانسياق أمام الأخبار التي تروجها الشئون المعنوية للقوات المسلحة، والتي كنت أسميها في كتاباتي: أحاديث المساء والسهرة.

والقائلون بترنح الانقلاب وينتقدهم المقال المذكور – مع اعتراضي على اللفظ ومؤشراته ومن قال به – فأرى أنه مازال يترنح، ولن يستفيق إن شاء الله، وإن الله لا يصلح عمل المفسدين، أما إذا قاله مسئول أو قيادي استقراءً للواقع نتيجة مسح ميداني حقيقي ودراسات واقعية فنحتاج منه البينة ويحتاج منا المناقشة.

وتصور البعض أن هذه القيادات كاذبة وتتحرى الكذب فهناك تناقض بين كلمة “تكذبون” وبين كلمة “يلعب بكم الأمن والاستخبارات”. فالكاذبون لا تنتظر منهم خيرًا، ولا تضع يدك في يدهم؛ فلا يكون المؤمن كذابًا. وإذا اقتنع إنسان بأن إنسانًا كذاب ويتحرى الكذب؛ فلا يرتجي من ورائه خيرًا ولا يتعب نفسه معه بنقاش ومطالبات. وهنا يكون العجب والتعجب.

وإذا كان القائمون على أمر جماعة الإخوان، مجموعة من الدروايش السُذج فلا أدري كيف قام هؤلاء الدراويش السذج بتربية وتخريج مئات الآلاف من الشباب الواعي الناضج من أمثال الكاتب إن كان من الإخوان أو تربى في كنفهم.

 

(2)
أما ما يتصوره البعض بقيام هذه القيادات بملء كل المساحات وعدم قبول النصيحة أو التوجيه؛ فلا أعرف كيف يملؤون المساحات كلها؟ لأن ما أفهمه أن من يريد اللعب يفتح لنفسه مساحة بجهده ومساعدة من يحبونه، مثلما فعل باسم خفاجي ولم يوقفه أحد. ولم يمنع أحد أحدًا من اللعب في مجاله، وأرض الله واسعة. وأما عدم قبول النصيحة فأمر مرفوض شكلا وموضوعا.

وحيث أن الكاتب يرى أنّ القائمين حاليًا على الجماعة لا يجيدون اللعب على أيّ مستوى من المستويات فأرى أن يوحد خطابه لهم ويحدده إن كان من أعضاء جماعتهم: ارحلوا.. مش عاوزكم.. لا أثق فيكم.. إنتم كذا وكذا.. بدلا من الكلام الكثير غير المباشر الذي لا يوصل للهدف.

 

ويتكلم الكثير عن العمل الثوري ولكننا لم نسمع معنى مباشرًا للفعل الثوري الحقيقي ونموذجًا له من أحد من المنادين به. كلهم يتكلم كلامًا كبيرًا ولا يضع نماذج للفعل الثوري المؤثر. ونموذج باسم خفاجي أوضح نموذج لمن يتابعه. وكذلك بعض الأحزاب التي خرجت من التحالف. أما السلمية المبدعة فعبارة أعتقد أن الشباب هم مخترعوها، وكذلك كلمات: “حان موعد القصاص” فينشرها الشباب لا العواجيز على مواقع الاتصال، أما أخبار المصالحة والهدنة فتبثها المخابرات ويتلقفها البعض فيضطر القائمون لنفيها، وليسوا هم من أطلقها.

 

وبخصوص عدم توصيف القيادات الحالية الوضع بدقة فتقصير مؤكد. وأما عدم أخذ موقف من داعش فموقفهم واضح وموقف داعش منهم واضح أيضًا. إلا إذا كان المقصود موقفًا على الأرض بالتصدي أو المشاركة. وعدم تبنيهم موقفًا واضحًا من التقسيم فأعتقد أن وسائل الإعلام المتاحة لا تتوقف عن ذلك. والسؤال لماذا طردوا من قطر فأمر لا يحتاج من متابع سؤالا ولا يحتاج من مسئول تلكؤًا في الإجابة. وسبق أن أشرت إلى ذلك في بوست من بوستاتي: (بنفس هذه الطريقة في التفكير أعلق على كثرة الأقاويل والتحاليل عن موقف قطر والجزيرة وموقف الإخوان، وأن القيادات تثق في أناس من الممكن أن ينقلبوا في أي لحظة. وما أفهمه أن يكون التعامل مع الفرص المتاحة والبدائل الممكنة، ولابد أن يكون في ذهننا أن المواقف تتغير والرؤى تتبدل تبعًا للمصالح، ومن ثم فدائمًا نجهز البدائل والردائف ولا نلعب على فرصة واحدة أو نضرب على وتر واحد. فلا نرفض التعاون مع من يفتح لنا نافذة أو بابًا مدة معينة لظننا أنه قد يغلقه، لأن باقي النوافذ المفتوحة من الممكن أن تغلق أيضًا وربما بدون سابق إنذار أو سابق توقع. ولا يتخيلن أحد أن من يفعل ذلك يترك التوكل ويستند إلى أولئك أو هؤلاء، بل يستخدم الفرص المتاحة في المدد المتاحة مع تجهيز البدائل والمحاضن الأخرى في نفس الوقت؛ أخذًا بالأسباب وتوكلا على صاحب الأسباب).

 

وأولئك الذين يتحججون للمطالبين بالمحاسبة والمساءلة ويكتفون بقول: “مش وقته”، و”إنه مينفعش لأننا مش في شركة عشان نتحاسب”. فحجتهم مرفوضة ونحن مع الكاتب والشباب فيها، وإلا فمتى نتعلم وكيف نتلافى الاستمرار في الأخطاء؟! وأدعو كل قيادة لا تعرف أن تقول بشجاعة: لست أعرف أو ليس عندي معلومات، وتريح الجميع من فلسفة الأمور والدخول في متاهات. وقول: أننا لسنا في شركة مرفوض أيضًا؛ لأنها شركة كبيرة فعلا وأعظم بها من شركة. والمفروض أن لها لوائح ونظمًا؛ فمن يطالب بالمحاسبة تبعًا لهذه اللوائح يجب أن يحترم ويقدر بل ويثنى عليه، طالما أنه من أعضاء الشركة والملتزمين بلوائحها والعاملين فيها، وطالما كان ملتزمًا بقوانينها وشروط العمل بها. ولا خير في أعضاء إن لم يقولوها ولا خير في قادة إن لم يسمعوها. وإلا فمتى يكون الإصلاح؟ وحتى لو لم يكن من أعضاء الشركة فيجب أن يستفاد بآرائه والحكمة ضالة المؤمن.

 

وحيث أن كاتب المقال الذي أثار ضجة لا يرى للجماعة فعلا على المستوى السياسي إلا انتظار سوار ذهب مصري. فلست معه. وإذا تصور أحد هذا التصور فمخطئ بالتأكيد ويبيع الوهم. وكون أنهم وشبابهم – المأذون له بالقيادة تبعًا لرأي الكاتب- غير مؤهلين لأي شيء، فلماذا ننشغل بهم وننتظر منهم حلولا والمستقبل محكوم عليه؟! فلينطلق هو وكل من عنده رغبة ويُري الجميع جاد لعبه وأدائه وكثرة أهدافه وانتصاراته. وساعتها سيلجم الجميع ويسيرون وراءه.

وسؤال أهداف الجماعة حدد إجابته حسن البنا بالأهداف المرحلية فليس فيه جديد، ومن يراجع رسائله يجدها واضحة وسهلة تماما. وما صعّب الأمر في نظري التعقيد والفلسفات والكلام الكبير والاصطلاحات الغربية التي لا يفهمها الكثيرون.

 

وأما أننا أمام قيادة تائهة تردد بعض الجمل المحفوظة فلست مع الكاتب في ذلك لأن تلك الجمل تقال في الإعلام وتوجه لمستمعيها، ولا يوجهها القادة والمسئولون للأعضاء. والخطاب للخارج غير الخطاب للداخل.

وليس هناك من لا يعترف أنه كانت هناك مؤامرة لإفشال الرئيس. ولكن الاعتراض هل هناك من لم يكن يظن قبلها أنه لن تكون هناك مؤامرة ومؤامرات وتكالب عليه وعلى فكرته وأنصاره ؟! هو مربط الفرس والنقد الحقيقي. لأن بعضنا – أو بعضهم – اعتقد أننا في عهد الحرية والديمقراطية وأن رفقاء الطريق سيتعاملون بأصول التداول الديمقراطي، وأن من وقف الإخوان معهم وشاركوهم القوائم وساندوهم أيام كفاحهم سيذكرون الجميل، ولن يعضوا يدًا ساعدتهم وانتشلتهم. وأن الدولة العميقة قد أخذت درسًا بسقوط مبارك أدى لتفكك أجزائها وذهابها لعالم النسيان. وهل هذه الجمل كانت مخدرة؟

 

 

فالسؤال: من يخدر من؟ ولماذا يخدره؟ ومن كان في الصف ويعمل لصالح الانقلاب ومدسوس وعميل؟! وبخصوص الأفكار الصايعة – مع علمي بأن الكاتب لا يقصد المعنى السيء منها – لم يسمعها أمثالنا ولم يقرأها في الكتب المتاحة أو النشرات الخاصة، مع كثرة اطلاعنا وقراءاتنا وعلاقاتنا، فلا أعرف ممن وأين؟! وأما أنها جماعة يقودها أشخاص أوجدت الصدفة بعضهم في أماكن القيادة، وآخرون حصلوا على أماكنهم لأنهم تعرضوا “لابتلاء” السجن لسنين طويلة، وجزء ليس باليسير خدمته علاقاته الاجتماعية في الترقي داخل الجماعة؛ ففرية كبيرة ليس لها أساس، وتكررت كثيرًا في الإعلام ورددها الإعلام المضاد عن طريق بعض الخارجين عن الصف لأسباب وظروف متعددة وتلقفها بعضنا.

وأذكر بالمثل الشعبي: اللي ميعرفش يقول عدس. فكل القادة تدرجوا في الجماعة منذ كانوا طلبة بقسم الطلبة والثانوي، وكل المشهورين منهم أو الأسماء المعروفة المتصدرة معروف تاريخها بالتفصيل وكانت تقود عمل الطلبة في السبعينات والثمانينات، والعمل في الأحياء والقرى كذلك. وتدرجهم طبيعي في الجماعة ولم يهبطوا عليها بالبراشوت، ولم توجدهم الصدفة في المسئولية، أو العلاقات الاجتماعية من زواج وقربى. ولولا أنهم أحياء لذكرنا تاريخهم واحدًا واحدًا مثلما فعل الكثيرون في تاريخ الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح مع ترويج مقولة صاحب التأسيس الثاني التي ليس لها أصل.

 

(3)
ولم نسمع من أحد تصورًا لشكل المساحات الجديدة المخلقة المربكة للنظام، وشكل المشهد باختفاء الإخوان. واقتراح حل الجماعة تقدم به كثيرون وفي مقدمتهم رجال الأمن ورجال الأحزاب المصرية المنافسة حتى حزب النور، وهذا منتهى أملهم وغايته. الحل هو الحل. ويكفي اتفاقهم جميعا على هذا الحل حتى ندرك مدى خطورته أو خطئه. وقد أتفق مع الكاتب في توصيف بعض الأمراض، ولكن المشكلة تأتي دائما في النقاش مع الشباب في أطروحاتهم للحلول، دائمًا كلام عام ومنقوص. التشخيص والكلام عن الأعراض الموجودة كلنا يتكلم فيه، ولكن الحلول لا نسمعها من أحد. والتلويح بورقة الحل، فلمن نلوح: أللأمن أم لمن؟ وما أفهمه من عبارات الكاتب التلويح أننا على استعداد لحل الجماعة على أرضية الإفراج عن المعتقلين ووقف الأحكام الصادرة في حقهم وعدم التعامل الدموي مع القيادات. وهذا الأمر لا يستدعي كل هذا العناء: بل اعلن من غد أنك موافق على خريطة الطريق ومعترف بالنظام القائم ولن يطلب منك ساعتها حل نفسك وسيوافق النظام الباغي على أغلب طلباتك.

 

أما أنه في نفس الوقت، ستُعيد الجماعة ترتيب أوراقها داخليًّا وتحدد أهدافها بوضوح وتجيب عن التساؤلات المبهمة و.. إلخ؛ فأي جماعة تلك التي أعلنت حل نفسها ستعيد ترتيب أوراقها الداخلية، وإعادة صياغة تصور وإجابات؟! وأي جماعة هذه التي حلت نفسها سيتاح لها تخليق كوادر وقيادات خارج بيئة العمل؟! ومن هؤلاء الذين سيقومون بهذا العمل في غياب الجماعة؟! هل نصدر مستقبلنا للوهم؟! إننا إذا كنا نعترض على القيادات المعروفة والمنتخبة حاليا، فمن الذين سنثق بهم والجماعة أعلنت حل نفسها؟ أم ستكون ورش العمل داخل السجون أو في البلاد الأوربية؟! ومعظم النار من مستصغر الشرر. إن إلقاء كلمات (قنابل) كهذه على بساطتها وحسن نية مرددها في ساحات النقاش من الممكن أن تترك تأثيرا بالسلب على الشباب والقراء.

 

وقد قام بهذا الأمر رواد سامحهم الله وجازاهم بنياتهم – وأخذوا بالشباب إلى طريق المتاهة وعالم الضياع، ثم تركوهم واستفادوا هم من الشو الإعلامي والظهور في تحقيق مكاسب لهم، ومواطئ قدم في أكل العيش والعلاقات. غفر الله للجميع. أما قول الكاتب: إنه سيحدث فراغ كبير لن يستطيع أحدهم أن يملأه عندما تغيب الجماعة عن الساحة السياسية الداخلية والإقليمية، مما قد يعني مستقبلاً أن الجماعة عندما ستقرر العودة ستعود بشروطها التي ستفرضها؛ بل قل: ستعود بشروطهم التي سيفرضونها إن عادت وإن قبلوا ساعتئذ.

 

وقوله: إنها ليست دعوة للرضا بالأمر الواقع والاستسلام للسلطة القمعية، ولكنّه اقتراح لأخذ زمام المبادرة والانتقال من رد الفعل إلى الفعل، علّ مسار التاريخ يتغير هذه المرة؛ فأقول بل هي دعوة للرضا وتمشية الحال تحت يافطة إعادة ترتيب الأوراق. وقد سبقنا بها الأحزاب المنسحبة من التحالف تحت شعار البحث عن كيان أرحب وأوسع وترتيب الأوراق، والبحث عن وسائل أنكى وأنجع ضد الانقلاب وحتى الآن لم نر شيئًا.

( 4 )
ولا أدري كيف يدعو إنسان بهذا الدعاء الذي ختم به الكاتب مقالته لمن يرتجي منهم خيرًا أو مشاركة في طريق. ولكن ما أعلمه أن الله مطلع على الجميع ونياتهم، وسيحاسبهم بما هو أهل له، سواء طلب أخونا أم لم يطلب؛ فرحمته سبقت غضبه وعفوه سبق انتقامه، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم. ولا أعرف من أولئك الذين ورثوا الكاتب الذل والهوان وأخلاق العبيد؟ ونراه يتكلم بروح من ولد حرًّا وعاش حرًّا. ومن لا يقول أن صبر الدعاة على الاعتقال والتعذيب بطولة؟ بل هي بطولة نرجو أن يجزيهم ربهم عليها. والسجن للجدعان. وأقول للكاتب: الحمد لله أنك كبرت ولا أعرف كيف تضع يدك مع من يلقن الذل والهوان وأخلاق العبيد للصغ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد