إقالة المستشار «هشام جنينة» من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، منذ أيام، اغتيال معنوي، وتشوية لسمعته، وطعن في شرفه، وظلم له، ومساعدة الفاسدين على الاستمرار في فسادهم وإفسادهم؛ إذ إنه لم يتمكن من الدفاع عن نفسه.

لم يخطئ جنينة عندما طلب منه وزير التخطيط «أشرف العربي» أن يعطي له أرقامًا عن حجم الفساد في الدولة، وعندما أعلن عن الفساد الذي وصل – على حد قوله – إلى حوالي 600 مليار جنيه في عدة سنوات، انزعج المسئولون، وجندوا من يفتش في نواياه، ويتهمونه بأنه يبعث برسائل إلى الخارج؛ للإضرار بسمعة مصر، الذي من شأنه منع المستثمر الأجنبي من ضخ استثماراته داخل الدولة.

إقالة جنينة تخالف الدستور والقانون، وتحرم الرأي العام من الاطلاع على تقارير اللجان المشكلة التي تدرس تقارير الجهاز عن حجم الفساد، ورغم ذلك، قوبلت الاقالة بمزيد من الترحاب والتهليل من قبل كثير من المسئولين وأعضاء البرلمان، الذين طالبوا بإقالة جنينة والتحقيق معه بتهمة «نشر معلومات غير دقيقة» عن الفساد، معللين ذلك بأنه يضر بسمعة مصر.

تنص المادة 216 من الدستور على «تعيين رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية بقرار من رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس النواب بأغلبية أعضاء لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، ولا يُعفى أي منهم من منصبه، إلا في الحالات المحددة بالقانون، ويُحظر عليهم ما يُحظر على الوزراء».

والقانون رقم 89 لسنة 2015 يحدد شروط الإعفاء، التي تتمثل في: 1- إذا قامت بشأنه دلائل جدية على ما يمس أمن الدولة وسلامتها، 2- إذا فقد الثقة والاعتبار، 3- إذا أخل بواجبات وظيفته بما من شأنه الإضرار بالمصالح العليا للبلاد أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة، 4- إذا فقد أحد شروط الصلاحية للمنصب الذى يشغله لغير الأسباب الصحية.

ما الذي فعله جنينة إذن غير تقديم ما طلب منه عن تقارير تتعلق بالفساد؟ هل أي من الحالات الأربع تنطبق على رئيس الجهاز؛ إذ لم تثبت حتى الآن أي منها، بل حتى لم يتم التحقيق معه فيما نسب إليه من «نشر معلومات تضر بأمن الدولة».

أيهما أولى؟ نشر الفساد أم التستر عليه، حتى لو أخطأ جنينة في الأرقام المتعلقة بـ 600 مليار جنيه، لكن المبدأ يقول «إن هناك فسادًا نخر في بعض مؤسسات الدولة منذ فترة»، هل عندما يُعلن عن فساد في طول البلاد وعرضها، يُنكل ويعاقب من أعلن عنه، وليس من أفسد ونهب وسرق؟

لماذا لم تتح الدولة لجنينة فرصة الدفاع عن نفسه، إعمالا بالقاعدة القانونية التي تقول «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، خاصة وأنه لم تتم إدانته حتى الآن من قبل اللجنة المشكلة من الرئاسة؟، وهل إذا ثبت يوما ما براءة جنينة وحقيقة أرقام الفساد، ستعتذر الدولة له على الملأ وترد له اعتباره؟

أليس من حق الرأي العام أن يطلع على ملابسات الأمور وحجم الفساد المستشري في الدولة، ومن هم المفسدون والفاسدون الذين يتنعمون بأموال الشعب منذ فترة، ثم يقومون – إذا حدث ذلك فعلا – برد مبالغ قليلة مقارنة بالتي نهبوها وسرقوها في عشرات السنين؟

الخميس الماضي، قدم مجلس النواب لائحته التنفيذية للرئاسة، بعد تطبيق ملاحظات مجلس الدولة عليها باستثناء الملاحظات الخاصة بإدراج موازنته «رقم واحد» ليكون سيد قراره في أمواله، الأمر الذي يجعل هذه الموازنة لا تخضع –  مثل كثير من هيئات الدولة – لمراقبة الجهاز المركزي للمحاسبات.

وصل الأمر في اللائحة إلي إعفاء مكافآت النواب المقدرة بخمسة آلاف جنيها من الضرائب. أصر مجلس النواب الإبقاء على المادة «404» التي تنص على أن «المجلس مستقل بموازنته وتدرج رقمًا واحدًا في موازنة الدولة».

هذ المادة مخالفة للدستور، ولا تتماشى مع ملاحظات مجلس الدولة، الذي اعترض في تقريره على اللائحة؛ فيما يخص إدراج موازنة مجلس النواب «رقم واحد»، مستندًا إلى أن الدستور حدد الجهات التي يتم إدراج موازناتها «رقمًا واحدًا» في الموازنة العامة للدولة، وهى الجهات القضائية والقوات المسلحة.

كان مجلس النواب حريصًا على الإبقاء على المواد في لائحته الداخلية التي تمنع مراقبة موازنته من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات؛ إذ  تنص المادة «407» على أن «المجلس يتولى حساباته بنفسه، ولرئيس المجلس أن يطلب من رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ندب من يراه؛ لوضع تقرير يقدم إلى رئيس المجلس عن حسابات المجلس، وطريقة تنفيذ موازنته، أو عن أي شأن من الشئون المالية الأخرى للمجلس».

المادة «407» من اللائحة الداخلية، وغيرها من مواد أخرى تخالف المادة 219 من الدستور التي تقول «يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات الرقابة على أموال الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة، والجهات الأخرى التي يحددها القانون، ومراقبة تنفيذ الموازنة العامة، والموازنات المستقلة، ومراجعة حساباتها الختامية».

عدد غير قليل من النواب طالبوا بإقالته؛ حتى يمرروا موادًا في لائحتهم الداخلية، تميزهم عن المواطن البسيط، وتعفيهم من دفع ضرائب، بينما تطالب الحكومة المواطنين بشد الحزام على بطونهم بقوة والاستعداد لقرارات مؤلمة، بل لم تقدم بيانًا شافيًا، خلا من سياسة واقعية وروية صحيحة لتحقيق العدالة الاجتماعية.

ليس دفاعًا عن جنينة؛ إذ إنني لا تربطني به علاقة شخصية، ولم أقابله في حياتي أبدًا،

لكنني هنا أقول ماذا ستفعل الدولة في الفساد؟ سواء كان الرقم كما قال جنينة، أو كما قالت اللجنة المشكلة من الرئاسة التي ردت على بيان جنينة؟

هل إقالة جنينة ستمطر مصر بوابل من الاستثمارات الأجنبية؛ لأنه كان العائق الوحيد أمامها؟

هل إقالته ستصلح الأمور، وتجعل الحكومة تعمل بكل طاقاتها، وتحقق تقدمًا ملموسًا يشعر به المواطن؟

يا سادة – في رأيي – لم تكن الإقالة من أجل إعمال القانون، وإنقاذ سمعة الدولة، كما زعم المسئولون، ولكنها كانت من أجل المحافظة على مصالح حفنة قليلة من الناس يريدون تغييب الحقائق وإضاعة الحقوق.

اللهم إنا نعوذ بك منهم ومن مكائدهم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر, هشام جنينة
عرض التعليقات
تحميل المزيد