أعتقد أن إقالة اللواء خالد فوزي مدير جهاز المخابرات العامة وتعيين اللواء عباس كامل رجل السيسي الأول مكانه، ما هو إلا تمهيد لأرض تمر عليها انتخابات رئاسية لتكون استفتاءً، فلا ضجيج ولا برامج ولا مرشحين حقيقيين يمكنهم التقدم للمنافسة، إجبار للفريق أحمد شفيق لتعديل رغبته عن الترشح فأعلن الانسحاب، ثم تلاه اعتقال الفريق سامي عنان رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق والتحفظ عليه في جهة غير معلومة بعد إعلانه الترشح للرئاسة، وما كان كل هذا ليمر سهلا لولا اطمئنان السيسي لخضوع كافة الأجهزة والمؤسسات الأمنية لإرادته.

وإذا كانت أسباب الإطاحة بفوزي غير واضحة للمصريين، بعدما نشر خبر إقالته صغيرًا مقتضبًا في الصحف، فإن هذا لم يمنع المحللين والمراقبين من محاولة كشفها عبر قراءة وتحليل للمشهد السياسي، فلماذا قام السيسي بذلك؟

1. رغبة السيسي في السيطرة على جهاز المخابرات العامة قبل الانتخابات الرئاسية والمقرر إقامتها في 28 مارس من العام الجاري، فبالرغم من تأكيدات مقربيه بفوزه الحتمي، يريد السيسي السيطرة على جهاز المخابرات المصرية صاحبة التأثير على كافة المستويات، حتى لا يعارضه أحد فيما يتخذه من تدابير الإطاحة بالمرشحين، وكان آخرهم الفريق عنان الذي اعتقل بعد ساعات من إعلانه الترشح بزعم التزوير والإساءة عبر بيان حمل توقيع القوات المسلحة.

سألت المحلل الصهيوني إيدي كوهين حول رأيه في عزل فوزي فقال: إعلان الفريق شفيق للترشح كان بإيعاز من المخابرات العامة تحديًا للسيسي الذي قام بتقليص دور المخابرات العامة لصالح المخابرات الحربية.

2. الإطاحة بفوزي جزء من إعادة الهيكلة للأجهزة الأمنية، فالسيسي لن يكتفي بوضع يده اليمنى – عباس – على رأس جهاز المخابرات، فلديه ابنه محمود بالمخابرات الحربية يقوم بالدور ذاته، ولديهما من الصلاحيات ما يكفي للفرز وإعادة الهيكلة لعناصرهما وفقًا للولاء التام للسيسي ونظامه، ولا يهتم السيسي إن خلت المنافسة الرئاسية من شكل ومضمون، وتحولت إلى استفتاء بيّن ينافس فيه السيسي نفسه بعد اختيار كومبارس لا يتخطى بنسبته 5%.

3. التسريبات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز أظهرت ضابط مخابرات مصري يعطي توجيهاته لمجموعة من الإعلاميين والفنانين المقربين من النظام، وبالرغم من نفي القاهرة ما جاء بالتسريب جملة وتفصيلا في بيان للهيئة العامة للاستعلامات، إلا أن الصحيفة الأمريكية أصرت وأكدت على صحة ما جاء بهذه التسجيلات، هذه الواقعة تدل على محاولة عناصر من المخابرات العامة كشف سياسات النظام وإحراجه عالميا، وهو ما تطلب الإطاحة بفوزي وكشف المتورطين.

4. وفقًا لمحلل إسرائيلي آخر فإن مصادر مصرية أبلغته بأن إقالة فوزي ووضعه رهن الإقامة الجبرية جاء كرد فعل انتقامي بعد تقديمه تقريرًا مضللًا حول نشاط رئيس أركان الجيش السابق الفريق محمد حجازي قبل أربعة أشهر؛ مما دفع السيسي لإقالته، ثم تبين بعد ذلك أن ما ورد فيه من معلومات لم يكن دقيقا.

5. فشل فوزي في إنجاز المصالحة الفلسطينية التي كان يديرها وسيطا بين حركتي فتح وحماس، وهو عمل كان يرغب السيسي بقوة في تحقيقه ليسوق نفسه كلاعب إقليمي وصاحب تأثير، وهو ما لم يحدث، انتهى الأمر بفوزي في مطلع شهر ديسمبر 2017 إلى إصدار أوامره بعودة وفد المخابرات المصرية الذي كان وسيطا في التشاور بين الفصائل الفلسطينية إلى مصر دون إيضاح أسباب.

6. يخشى السيسي مصير الرئيس محمد مرسي، وأن يكون من بين رجال المخابرات العامة من يعملون للانقلاب عليه، لتفريطه في الأرض المصرية متمثلًا في التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وحصة مصر التاريخية من مياه النيل لإثيوبيا، وذلك بتوقيعه على اتفاقية المبادئ معها، وداخليا فحدث ولا حرج عن سياسات القمع والبطش بالمعارضين وإغلاق المجال العام، وتكريس مكاسب المؤسسة العسكرية على حساب المجتمع المدني، وكلها سياسات تهدد الأمن القومي ويرفضها المصريون الشرفاء، وأظن أن من بينهم الكثير من رجال المخابرات المصرية.

ليست المرة الأولى التي يغير فيها السيسي مدير جهاز المخابرات العامة المصرية، فقبل ثلاث سنوات تقريبًا، وتحديدًا في 21 ديسمبر 2014 عزل مديرها السابق لواء أركان حرب محمد أحمد فريد التهامي وأحاله للتقاعد، لا يريد السيسي أن يطمئن أحد على كرسي سواه؛ فقد طال بتغييراته الكثير من المناصب التي كان يعرف عن من يتولاها البقاء فيها طويلًا، لم يعد أحد يأمن على بقائه فوق كرسي يمتلك سلطة في مصر، ولا حتى السيسي نفسه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد