قبل تسعة أعوام من الثورة الفرنسية وتحديدًا في العام 1780، ولد “نيكولاس شوفان Nicolas Chauvin” في بلدية “روشفور Rochefort” بمحافظة “أين Ain” في فرنسا، وفي سن الثامنة عشر تطوع في جيش الجمهورية الفرنسية الأولى مع بداية بزوغ نجم نابليون بونابرت، الذي قام في العام 1799 بعزل حكومة الإدارة وأنشأ بدلًا منها حكومة مؤلفة من 3 قناصل، وتقلّد هو بنفسه منصب القنصل الأول، ثم سعى في إعلان نفسه إمبراطورًا على فرنسا.

 

كان شوفان موهومًا بحب نابليون، متيمًا به ومخلصًا له، بالرغم من فشل نابليون المزري في إدارة شؤون الدولة، وهزائمه المتكررة في كل حملاته العسكرية على مصر وروسيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرهم، وبالرغم من هزيمته النكراء في معركته الأخيرة في “وترلو waterloo”، وبالرغم من أن نيكولا نفسه قد أصيب حوالي 17 مرة أثناء خدمته العسكرية جراء أطماع نابليون وجنونه المستمر، فقد استمر شوفان مثابرًا في ولائه لنابليون، ويقال أن نابليون نفسه قد منحه ميدالية جوقة الشرف ومعاشًا قدره 200 فرنك.

 

ظل نيكولا شوفان مدافعًا شرسًا عن نظام بونابرت، متعصبًا بشدة له ومبررًا محترفًا لكل إخفاقاته، مقتنعًا بعبقريته، وبأن فرنسا سوف تسقط يوم أن يرحل نابليون ويترك عرش الإمبراطورية التي نصب عليها نفسه بنفسه، كان شوفان يهاجم بدون أي منطق أو عقلانية كل من يتجرأ على انتقاد النظام والشطحات النابليونية، ويتهمه بأنه عدو للوطن، هو لا يبرر منافقًا، بل هو يصدق كل تلك الاعتقادات، ويا للغربة، لم يكن شوفان نفسه من المستفيدين أو المستنفعين بالنظام سواء ماديًا أو معنويًا، بل على العكس تمامًا، كان في حقيقة الأمر من المتضررين وبضراوة من نظام بونابرت، ومن اسمه لقبت ظاهرة المغالاة في حب الوطن، والإيمان غير المبرر بتفوق الوطن وعظمته الزائفة وأمجاده العسكرية، والدفاع غير العقلاني عن النظام مع تحقير الرأي المخالف بالشوفينية  chauvinism.

 

لكن ما الذي يجعل مواطنًا، سواء كان متضررًا أو لم يكن من النظام، مستفيدًا أم غير مستفيد من النظام، أن يحذو مثل هذا الحذو؟

 

في كتابه العقل الصالح  The Righteous Mindيفسر عالم النفس الأخلاقي د.جوناثان هايدت  Jonathan Haidt لماذا يسلك البعض مثل هذا السلوك، فيقول أن بداية هذا الاضطراب ترجع عندما اختبر الإنسان ولأول مرة في حياته مفهوم الخطر، وشعر بحاجته إلى كيان قوي ينضم إليه كي يشعر بالأمان، ووجد هذا الكيان في جيرانه الذين يشاركونه الأرض واللغة والثقافة، ومن هنا نشأ “الوطن”، ومع بداية خلق الانتماء للأوطان، زرعت داخل “المواطن” مفاهيم جديدة مثل “الولاء”، و”الخيانة”، واقترن مفهوم “الولاء” في العقل اللاواعي بالانتماء إلى مجموعة معينة تحتضنه وتشعره بالأمان، ويشعر بالفخر في الانتماء إليها، أما مفهوم “الخيانة” فقد اقترن بالخوف من الطرد خارج تلك المجموعة، والعودة مرة أخرى لشعور القلق والخوف والوحدة، لذا وحتى يسيطر الإنسان على سلوكه من شبهة “الخيانة” المقترنة بالقلق والوحدة والضعف حال الخروج من المجموعة القوية والكيان الذي يشعره بالأمان.

 

يتغاضى العقل اللاواعي تلقائيًا عن كل ما يمكن أن يدفعه ناحية التفكير في الخروج عن النظام أو حتى مجرد انتقاده، حتى لو كان ما يتغاضى عنه من تصرفات هي عكس اعتقاداته تمامًا، فيبرر تصرفات النظام، ويبرر تغاضيه شخصيًا على مضض، تحت مسميات من نوعية “الضرورة”، “المصلحة العليا”، “الظروف الحالية”، و”الدواعي الامنية” وما إلى ذلك، لأن الخوف من الانفصال يسيطر على العقل الباطن، فلا يجعله فقط يمنع عقله من التفكير، بل ويحاول أن يمنع الآخرين من التفكير في أداء النظام

 

تكمن الخطورة عندما يصبح الانتماء للمجموعة في المطلق، ويتحول مجرد التفكير في الانفصال عن آراء المجموعة أو حتى الاختلاف يسبب الاضطراب والذعر الشديد، ويذوب الفارق الضخم بين الوطن والنظام، فيتحول الانتماء للوطن الدائم إلى تقديس للنظام المؤقت، عندها فقط يمكن أن تتغير معايير الإنسان الأخلاقية، ويفعل كل ما هو ضد ضميره ومبادئه فيدعم الظلم والسجن والتعذيب والقتل لمعارضي النظام، الذين يعتبرهم أعداء الوطن، بحجة حماية هذا الوطن، ويقتنع أن هذا التناقض بين اعتقاداته هو أخلاقي وضروري لحماية المجموعة، ودائمًا ما يكون مصابًا بداء هلاوس المؤامرات والمخططات الخارجية.

 

دائمًا ما يدعي الشوفينيون أن تصرفاتهم نابعة من الوطنية، إلا أن الفارق بين الاثنين شاسع فالوطنية هي الانتماء للوطن أما الشوفينية فهي الانتماء للنظام، ولذلك فإن مصطلح الشوفينية يعتبر نوعًا من أنواع العنصرية، فيقول الإنجليز “إن الشوفينية هي عنصرية ترتدي حلة فاخرة chauvinism is racism wearing a tuxedo”.
أشاع التسمية مسرحية هزلية لكتاب المسرحيات والمخرجين الفرنسيين المشهورين الأخوين كونيارد Cogniard brothers سميت بـ “الشريط ذي الألوان الثلاثة”  La Cocarde tricolore، وظهر في المسرحية شخصية نيكولاس شوفان المصاب باضطراب الوطنية المفرطة، وبالتبعية أضحى للمصطلح في الوقت الحاضر دلالات تتضمن التحيز المفرط واللاعقلاني للجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وخاصة عندما يتضمن التحزب والحقد والكراهية تجاه الجماعات المنافسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد