في مسلسل فرض الإرادات التي تقوم به المليشيات الشيعية حاليًا في العراق، يأتي قرار مجلس محافظة صلاح الدين، كمثالٍ صارخ عليه، حيث أصدر هذا المجلس قرار عجيبًا وغريبًا من نوعه، لم نسمع أحدًا قام به إلا إسرائيل بتعاملها مع الفلسطينيين حين تُريدُ تهجيرهم من أرضهم، فقد قرر هذا المجلس وبدفع من المليشيات، ترحيل كل العوائل السنيّة التي يثبت انتماء أحد أفرادها لتنظيم داعش، عن كل مناطق محافظة صلاح الدين ولمدة 10 سنوات. ويشمل هذا القرار كل من يسكن الداعشي معه تحت سقف واحد، مثل الزوجات والأبناء والإخوة والأخوات والأم والأب، بل وكل من يأكل معه الطعام من صحن واحد، ويستثنون من ذلك العوائل التي قتلت أبناءها أو سلمتهم للدولة، أما العوائل التي تتبرأ من أفعال أبنائها، فلن يكون لتلك البراءة شفاعة لدرء قرار التهجير الصادر بحقهم.

فاق هذا القرار بوحشيته جميع القرارات التي سعت المليشيات لاستصدارها فيما سبق، ذلك لأنه يمس ما يمكن اعتباره من المقدسات عند الشعب العراقي المسلم أو أي شعب لديه الحد الأدنى من الشعور بالإنسانية. بل حتى القوانين الوضعية ومنها القانون العراقي، لم يُجز تحميل الزوجة أو الأبناء أو باقي الأقرباء، تبعات قانونية لجرم يقوم به أحد أفراد الأسرة، لما في ذلك من تحطيم لكل الأواصر التي تقوم عليها بنية الأسرة لأي مجتمع إنساني متحضر. إنهم يحاولون بأساليبهم تلك أن يفككوا الروابط التي تجمع الأسرة الواحدة وكذلك التي تربط العشائر والقبائل ببعضها.

ولا يخفى على أحد من متابعي الشأن العراقي، إنَّ هذا القرار الجديد يندرج ضمن مسلسل التغير الديمغرافي الطائفي الممنهج الذي تقوده إيران، من خلال ميليشياتها العاملة في العراق والتي تسمى «الحشد الشعبي». يذكر أن قرارًا قد سبق هذا القرار بأشهر، مُنع به أهالي ناحية يثرب من العودة لمنازلهم، وتم تجريف بساتينها وهدم بيوتها وإلحاق مناطق شاسعة من أراضيها الزراعية ببلدية «بلد» لأغراض طائفية، بنفس الوقت تمضي قُدمًا عملية واسعة لنقل مئات العائلات الشيعية من المناطق النائية في جنوب العراق إلى المناطق التي حول مدينة سامراء، لغرض تكوين حزام سكاني شيعي في محيط تلك المدينة السنيّة، تمهيدًا لتشيعها بالكامل. ناهيك عن مئات العوائل السنية التي غادرت مدينة سامراء بعد قيام ما يسمى «الحشد الشعبي» بخطف أبنائها ومقايضتهم عليهم. وبدأ السنّة يخسرون سامراء ديموغرافيًا شيئًا فشيئًا. وهذا بالضبط ما يتوقع أن يتم العمل به في المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش في الموصل والقرى التي تحيط بالمدينة بعد أخذها من التنظيم.

يأتي قرار محافظة صلاح الدين بعد قرار مجلس محافظة بابل الذي أُصْدِرَ قبل أشهر، والقاضي بهدم منازل العوائل في محافظة بابل التي بين أفرادها عنصر ينتمي لتنظيم «داعش» أو مناصر أو حتى متعاطف مع التنظيم، مما فتح الباب واسعًا أمام تهجير المئات من العوائل السنيّة في شمال محافظة بابل ذي الغالبية السنيّة، وصولًا إلى المناطق الجنوبية للعاصمة بغداد، التي اتهم سعد المطلبي عضو اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بغداد بأن العشائر حول بغداد هي الحاضنة الشعبية لداعش، وتقوم بدعم الإرهاب ماديًا ومعنويًا وأن عشائرها ما تزال تؤمن بالفكر التكفيري، وهو بهذا يتّهِم شريحة واسعة من المجتمع العراقي، يقدر تعدادها بمئات الآلاف بأنهم إرهابيون يجب محاربتهم وطردهم من أرضهم.

لكن ما هو مصير هذه العوائل التي يصل أعداد أفرادها في عموم مناطق السنّة بالعراق إلى الملايين؟ وأين سيذهبون؟ والجواب على هذا السؤال نجده في إيران التي رسمت مخطط هذا التغيير الديمغرافي الجاري بالعراق. فالقلة القليلة من السنّة القادرين على الهجرة لبلدان أخرى سوف تطول هجرتهم وربما لن يعودوا، (والمهجرون الفلسطينيون خير مثال حي على ذلك)، أما الأكثرية منهم الذين ذهبوا إلى كردستان، فسرعان ما ستضيق بهم الأحزاب القومية الكردية ذرعًا، وستحاول التضيق عليهم وطردهم منها، فمن المستغرب أن يتم إيواء العرب السنّة في كردستان في الوقت الذي يريد قادة الأكراد، إنشاء وطن قومي كردي فيها.

لم يبق أمام تلك العوائل سوى العودة والاستسلام للشروط الإيرانية، التي على رأسها تغير عقيدتهم والقبول بالتشيُّع ليسمحوا لهم بالعيش بسلام، وسيتم توزيعهم على عموم العراق لكيلا يكوّنوا مجددًا تجمعًا يثير لإيران المشاكل مستقبلًا.

ولمن أراد الدليل على رؤيتنا تلك، فليراجع التاريخ وليطلع على ما فعله الصفويون بسنّة إيران، والجرائم التي ارتكبها الصفويون بحقهم لتحويل ذلك البلد المسلم إلى بلد محارب للإسلام في كل بقعة تصل أيديهم إليها.

ولا أنكر إنَّ الصفويين الجدد هم أكثر ذكاءً من أسلافهم، فالإرهاب التي يتهمون به العرب السنّة، هم من صنعوا أيقونته المتمثلة بداعش ومن قبلها القاعدة، بمعونة الغرب والشرق، لِتَعيث في المناطق السنية قتلًا وإفسادًا، ثم تأتي بعدها مليشيات الحشد الإيراني لتكمل المهمة وتتولى عملية تهجير أو تشييع ما تبقى من السنّة ليستتب الأمر لها بالنهاية، بتحويل العراق إلى بلد ذي عقيدة صفوية ومواليًا لإيران.

هذا المسلسل سيعاد تكراره في اليمن وسوريا ولبنان، وسينجح لأن من أهم عوامل نجاحه هو الغفلة التي يعيشها حكام تلك الدول لا شعوبها. فعلي صالح يفضل أن يتشيع كل الشعب اليمني، على أن يُزاح من الحكم في اليمن، والأسد ليس لديه مانع حتى لو استُؤصِل كل الشعب السوري واستبدِلَ به الأفغان والباكستانيين والبنغال، على أن يتنحى عن حكم للحظة واحدة. إما حكام الخليج فهم في غفلتهم يعمهون، قد استبدلوا عدوهم الحقيقي المتربص بهم، بعدو وهمي اسموه الإخوان المسلمين.

لا بد للعرب من وقفة جادة لإيقاف مسلسل تهجير السنّة بالعراق من قبل إيران، فوقوف العرب الآن مع إخوانهم العراقيين، يعني تَجنُب تدنيس أراضيهم بأحذية الإيرانيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد