بعد إعلان تركيا إعادة تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد، انقسم العالم الإسلامي إلى قسمين، فمنهم من انخرط في حلف السعودية والإمارات والإيديولوجية الوهابية ضدّ تركيا، ومنهم من انضم إلى حلف تركيا وقطر، وتبني أيديولوجية الإخوان المسلمين.

وسأتطرق في هذا البحث المصغَّر إلى جُذُور الخلاف بين الوهابية والإخوان المسلمين بشكلٍ حيادي ومبسّط.

البيئة والسياق التاريخي تؤثران في الأيديولوجية

لقد كانت «نجد» في القرن الثامن عشر هي محل الميلاد الذي حدّد معتقدات الوهابية الجوهرية، ومنطقة نجد هي صحراء ممتدة في وسط الجزيرة العربية، وتوصف بأنها أرض قفر، ومنطقة معزولة تقريبًا.

وكانت نجد في ذلك الوقت في حالة صراع دائم؛ إذ كانت القبائل تعيش في حالة تقاتل مستمرة، وتفتقد الحد الأدنى من مشاعر الانتماء الوطني أو العصبية الجامعة. ويذكر «حسين بن غنام» في كتابه «تاريخ نجد» الذي يعد أحد الكتب الرسمية لتاريخ الحركة الوهابية، أنه قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان أغلب المسلمين في الجزيرة العربية، قد عادوا إلى الشرك والجاهلية.

بخلاف البيئة التقليدية في نجد في القرن 18، فإن حركة الإخوان المسلمين تأسست في الدولة الحديثة الناشئة في مصر عام 1928م. لقد كان إلغاء الخلافة الإسلامية والاستعمار الأوروبي، والتحالف بين النخب العلمانية هو ما دفع حسن البنا إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، وقد وصف البنا في كتابه «مذكرات الدعوة والداعية»، أنه في تلك الفترة كان تيار الانحلال متزايدًا، ليؤثر في الأرواح والآراء والأفكار باسم تحرير العقل، وأضاف أن تيار الإلحاد واللاأخلاقية كان عاتيًا ومدمرًا.

وقد اتهم البنا المنقلب كمال أتاتورك على الخلافة الإسلامية أنه يعمل على إضعاف الدين ونشر المادية الغربية، فقرر أن يعمل بإيجابية، وأن يدفع القادة الإسلاميين إلى العمل معًا، وبجدية ضد تيار الإلحاد واللاأخلاقية.

إذًا، فإن العامل الأول الذي يفسر الاختلافات في الأفكار الدينية والسياسية بين الوهابية والإخوان هو السياق التاريخي، والتحديات المؤسسة لكل منهما؛ فالوهابية واجهت التدين الشعبي والتقاليد المحلية، أما الإخوان فقد واجهوا العلمانية الحديثة (القومية، العروبية، الاشتراكية، السلطوية..)

علاوةً على ذلك، فإن اختلاف السياقات أثّر كذلك في هيكلية كلتا الحركتين، فاعتمد ابن عبد الوهاب على دعوة تقليدية تعتمد على آلية الوعظ الكلاسيكي، وكتابة الرسائل الدينية، وتلقين طلاب العلم، بالإضافة إلى التحالف، أو الصراع مع القبائل السعودية.

وبالمقابل، فقد اعتمد البنا في نشر أفكاره على أدوات متنوعة، منها الوعظ في أماكن غير مألوفة مثل المقاهي، إصدار الصحف، وإنشاء مؤسسات خدمات اجتماعية، والاستقطاب من خلال الجامعات، والجمعيات الخيرية.

بين ابن عبد الوهاب والبنا وسيد قطب

تأسست الوهابية على يد عالم نجدي شاب هو محمد بن عبد الوهاب، بدأت رحلته بطلب العلم كعادة أسرته (آل مشرف)، فطاف بالبلاد العربية مثل الموصل ودمشق وبغداد، وعند عودته من رحلته، جلب معه مجموعة من الكتب، ووصفها بأنها الذخيرة التي أعدها للمجتمع في نجد، كما عرف عند البعض أنه متشدد دينيًّا، يرفض الموروثات الدينية السائدة، ويتبنى قراءة حرفية للنصوص الدينية، وغير متسامح مع من يختلف معه؛ ولذلك اتهم الخلافة العثمانية والمسلمين في عهده بالشرك والردة، وإعلانه الجهاد ضدهم.

بينما يرى البعض الآخر أن تعريف الشيخ للجهاد تعريف دفاعي، وأن الفكر التكفيري الذي صار الوهابيون يوصمون به تاريخيًّا لا يوجد في كتابات الشيخ المؤسس، وفي رأيي الشخصي أن أيديولوجيا الوهابية أصبحت متشددة، جهادية، لا تؤمن بالتعددية، تسعى إلى إقصاء الأفكار الأخرى نتيجة بعض التطورات التاريخية التي وقعت على يد أتباع الشيخ بعد وفاته.

سيد قطب.. مفكّر راديكالي

يُعد سيد قطب المنظّر الثاني لجماعة الإخوان المسلمين، وقد عرف في بداية شبابه مفكرًا علمانيًّا، وشاعرًا وناقدًا؛ ولذلك خاض في أمور دينية، ما زالت تُحسب عليه إلى اليوم.

بدأ تحول سيد قطب النهائي من العلمانية إلى الإسلاموية عام 1947م، وقد كتب في تلك الفترة كتابه الإسلامي المعروف «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، ثم ازدادت آراؤه الإسلامية راديكاليةً؛ نتيجة إقامته في الولايات المتحدة لمدة قاربت ثلاث سنوات، ما جعله لا يرى في الثقافة الغربية سوى المادية والإباحية والسوقية، بغض النظر عن الإنجازات العلمية والتقنية، ثم أعلن انضمامه إلى الإخوان المسلمين بشكل رسمي بعد أربع سنوات من اغتيال مؤسسها البنا، وكان عمره 47 سنة، وبذلك أصبح قائدها الفكري ومنظرها الرئيس.

إذًا، مما تقدم نستنتج أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب تلقى تعليمًا تقليديًّا، وأصبح عالمًا شرعيًّا، بينما حسن البنا وسيد قطب تلقيا تعليمًا مدنيًّا حداثيًّا، ثم أصبحا مفكرين بالدرجة الأولى، ثم إن كلًّا من ابن عبد الوهاب وسيد قطب كان يتميز بطبيعة راديكالية، وهذا يمكن تفسيره في حالة ابن عبد الوهاب من طبيعته البدوية الخشنة والثقافة البسيطة للحياة البدوية، وفي حالة سيد قطب، بأنه ناتج من طبيعة شخصيته الشاعرية الأدبية، والتي صارت أكثر راديكالية نتيجة تجربة سجنه الوحشية مع الإخوان المسلمين، وتعذيب النظام لهم، أما شخصية حسن البنا، فخلاف لذلك، كانت تتمتع بالكثير من المرونة والكاريزما نتيجة كونه حركيًّا محترفًا، وتنظيميًّا موهوبًا.

الجاهلية والحاكمية

أما بخصوص مصطلح الجاهلية لسيد قطب، والتي جعلت الكثير بسببه يتهمونه بتكفير المجتمع، فإنه يقصد أن المسلمين في عصره قد عادوا إلى حالة الجاهلية؛ بل ينص بكل جرأة على أن وجود الحياة الإسلامية والأمة الإسلامية قد توقف منذ فترة طويلة، وهذا ما جعل البعض يظنُّون أنه قام بتكفير المجتمع. وفي السياق نفسه نص على أن الحاكمية لغير الله، فقد تغيرت المعادلة في نظره من ثُلاثية (الله – الشعب – الحاكم) بمعنى أن الشعب هو المفوِّض لاختيار حاكم مسلم يعمل على إقامة مجتمع مسلم، تغيَّرت إلى (الله – الحاكم – الشعب) –ثلاثية الوهابية والمدخلية – بمعنى أن الحاكم أقر نفسه خليفة لله، وعلى الناس طاعته، حتى وإن لم يعمل على إقامة مجتمع مسلم، ولذلك حرَّض على التغيير بالقوة؛ لأن الحاكم يستحيل أن يتنازل على الحكم، وهذا ما جعل جمال عبد الناصر يقوم بقرار إعدامه، وكانت أفكار سيد قطب الراديكالية هي التي دفعت حسن الهضيبي – مرشد جماعة الإخوان المسلمين الثاني – إلى إعداد كتاب بعنوان دعاة لا قضاة، وعمل على تداوله بين الإخوان في سجون مصر لتفنيد الأفكار الجهادية؛ التي استغلها بعض الشباب للانتقام من النظام بسبب الاضطهاد الذي تعرضوا له والتعذيب الشديد.

عمل ابن عبد الوهاب متمسكًا بالمذهب الحنبلي، على إعادة التوحيد الصحيح وإحياء السنة، والتخلص من البِدع مثل التوسل بأضرحة الأولياء، والشعائر الخاصة بالطرق الصوفية التي كان يعدّها ممارسات شركية؛ لذلك لا يعد الشيخ محمد مجدّدًا؛ لأنه لم يخض في الفكر الإسلامي السياسيّ، واكتفى بتكرار الآراء التقليدية للمدرسة الحنبلية، وخاصةً آراء ابن تيمية.

أما بخصوص أيديولوجية الإخوان المسلمين، يمكن القول إنها تشمل عدة أفكار، فبعكس الوهابية التي ظلت إلى حد كبير محلية، أدى انتشار الإخوان المسلمين في دول عديدة بعد وفاة مؤسسها البنا إلى ظهور نسخ متعددة بحسب ظروف الدولة وسياساتها، فكانت النسخة الاشتراكية لمصطفى السباعي في سوريا، والنسخة الراديكالية لسيد قطب، ثم النسخة الليبرالية الديمقراطية لراشد الغنوشي في تونس.

كان البنا – من خلال كتبه – وبشكل واضح، يستهدف تأسيس دولة إسلامية، واتبع في ذلك استراتيجية من أسفل إلى أعلى بدءًا بتربية الفرد وانتهاءً بإعادة الخلافة، وقد نصّ حسن البنا على أن الحكومة هي إحدى وسائل الإخوان، وأنهم سوف يسعون جاهدين إلى أن يأخذوها من أيدي الحكومات التي لا تلتزم بالشرع، وهذا ما جَعلَهُم يصطدِمون مع الوهابية الحالية التي تدعو إلى طاعة ولي الأمر مهما كان الحال درءًا للفتن، وبهذا شكَّل فكر الإخوان الديمقراطي خطرًا على الحكم الملكي في بلدان الخليج العربي، فأعلنوا الحرب عليهم، وأيدوا الانقلابات في سوريا وليبيا ومصر، وانقسم العالم العربي إلى فريقين: دول الأيديولوجية الوهابية، ودول الأيديولوجية الإخوانية، وهذا أهم صراع إسلامي في المنطقة اليوم، والباقي مجرد توابل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد