«المسافات تُميت المرضى 3/4 يسارًا»

هكذا دونت الملاحظة على هاتفي الجوال أثناء عدوي بمستشفى المنيل التخصصي في زيارة لأحد المعارف. وترجمتها يا عزيزي تعود إلى رقم غرفة المريض الذي توجهت لزيارته. وبقية الجملة وصف الطرقات والمارة والعمال والأطباء. وجهد العامة؛ لبلوغ غاياتهم. كانت عملية مرهقة أقسم لك.

كلي شك في قدرة أي صحيح – قبل المريض- في اجتياز هذه المسافات الشاسعة والطرقات السوداء الملتوية وملايين السلالم الضخمة. حيث ارتفاع القاعدة عن الأخرى يُصيب بالتشنج العضلي!

المنيل التخصصي لمن لا يعرف هو الجزء الخاص من القصر العيني «أبو فلوس» بالمندرج الشعبي. حتى تصل جهتك يتعين عليك دخول المستشفى المجاني بجانب مبني الإدارة -مبنى الساعة الشهير- مرورًا بالطوارئ ومن ثم تتخد أول يمين. ستجد زهورًا خضراء صناعية أنيقة وموظفًا في استقبالك يسألك عن جهتك .حينها تتيقن أنك وصلت بالسلامة.

 بعدما كنت تعاني الأمرين في طرقات مظلمة كأنها القبر! إن كان هناك شيء يُميت المرضى فليس الإهمال الطبي المشاع في مصر، بل تلك الإضاءة المُعتمة التي تقبض القلب، وتجعلك متأهبًا لمصيبة آتيتك ولن تُخطئك!

فُرشت طرقات الطوارئ بالبطاطين والألحفة والمأكولات الناشفة الرخيصة كالسميط، وأهل المرضى بانتظار ذويهم في قلق أو ارتياح شديد؛ لاعتقادهم أنهم في أيادٍ أمينة.

تبدو على الأطفال نظرات الريبة الشديدة تجاه كل شيء، يتطلعون إلى البالطو على ذراعي كشغف غريق، وامتنانه لرؤية مهزوزة لمركب خشبي صغير غير محكم الألواح، متشقق الجدران في آخر المحيط الأطلنطي، حيث إنك غارق غارق.

يراودهم الشك، والخوف، والحنق على أمراض دول العالم الثالث التي لا تدعك وشأنك أبدًا.

أكره رائحة المستشفيات وإنذاراتها المتشائمة بفراق الأحبة، أو روح عرفتها أم لم تعرفها. وإذا لم تفارقنا فهي بيننا تتألم، وتتوجع. قد يكون جهلك -بوصفك طبيبًا- سببًا في اتصال الآهات. وربما علمك أصل عزوفه عن الحياة؛ لأنه عرف من تشخيصك الأنيق البديع أن داءً متطفلًا تكاثر في خلاياه وقرر احتلالها وتحلل هيكله تحت الأرض.

وهنا يلح علي ذاكرتي مشهد في فيلم «تايتنك». وهو لحظة غرق السفينة – تحديدًا- آخر عشر دقايق من الفيلم، دعني أقصه عليك علّك توافقني على أحقية حصول الأطباء على بطولة هذا الدور.

أتذكُر فرقة المزيكا التي استمرت في العزف إلى النهاية؟ عجيب أمرها. يُذهلني تماسكها. قد يرى البعض أنه التفاني في العمل، أو إذا كانت بيدك فتيلة فاغرسها .بغض النظر أننا نتحدث عن مزيكا وليست موضع مثل للحديث على الإطلاق.

لكن بزاوية أخرى: رغم حتمية الغرق والموت. وتشاغل الركاب في الذعر والهستيريا، وآخرون في محاولات يائسة لتخليق مفر. الفرقة كانت دون ملامح أو أمل في النجاة ولا تبدي أي مظهر للهلع من الغرق. تباعدوا عن كل شيء والتزاحم والخوف بأشكاله، انعزفوا عن العالم وعزفوا ألحانهم.

والتفسير السيكولوجي الدقيق: كانوا في حالة من التلاهي!

تخلى لمرة واحدة عن ادعاءاتك وافتراءاتك على الأطباء واتهامهم المستمر بالتقصير. وانظر لهم بعين الإنسانية وليس السطحية الآلية. ما أحاول الوصول إليه هو دفعك للتعمق في نفس المُنقذ لا الغريق. قلب الموازين الفطرية لتتعاطف مع السليم، وتتفهم حجم المخاطر والدوافع والضغوطات التي يمر بها في كل ثانية في غرفة الطوارئ مثلًا، تجاهدني حروفي أن أداعب مسار فكرك؛ لتقدر حجم معاناة أطباء التكليف ليتم توزيعهم بشكل أكثر شفافية وعدالة، فيضطروا إلى الاعتصام مدة اثني عشر يومًا. وأصروا على الامتناع عن التسجيل إلى أن رضخت وزارة الصحة واستجابت لمطالبهم. أهمها: الحفاظ على حق المتزوجات في الحصول على رغبة أولى.

 ونبذة بسيطة عن مستشفى المنيل الجامعي بالقاهرة -السابق ذكرها– هي إحدى المستشفيات الجامعية التابعة لكلية طب قصر العيني، ويُعرف لدى العامة باسم «القصر العيني الجديد». وقد افتتح المستشفى سنة 1935 تحت اسم «مستشفى فؤاد الأول». وتبلغ جملة عدد الأسرة بمستشفى المنيل الجامعي 1794 سريرًا موزعة بين أقسامه المختلفة.

ويشرف على أقسام الجراحة 5 و25 و27، وقسم 24 جراحة قلب وصدر، وقسم 26 جراحة المخ والأعصاب، وقسم أمراض القلب والرمد 12 و14 و16 وأقسام الأمراض العصبية 4 و15 وقسم الأمراض النفسية وقسم الأمراض الصدرية وقسم الأمراض الجلدية والتناسلية وقسم الأذن والأنف والحنجرة وقسم الأمراض النفسية.

وهنا يحق ذكر شعار د. فتحي خضير عميد قصر العيني: «صناعة الجمال عملي ومنهجي في الحياة».

ويُكمل: «أصلك مش ممكن هتقنع حد بإمكانياتك إلا إذا عرفت إزاي تقدم نفسك بأفضل صورة.. لأن الانطباع الأول هو أهم انطباع».

وقع على أثر هذا المنهاج المستنير 6 اتفاقيات مع إنجلترا وبريطانيا في صالح تطوير القصر العيني.

وآخر أهم الإنجازات جهاز «الأناتوماج» الذي سيحيل جثث المشرحة المتعبة على المعاش إلى إشعار آخر. وتلقى طلاب الفرقة الأولى والثانية الخبر بفرحة عارمة. وقد بدأ -بالفعل- التدريب عليه!

وناشد العميد -في حواره مع الإعلامي الصحفي خالد صلاح- المصريين ومؤسسات المجتمع المدني بتقديم المزيد من الدعم والمساهمة في تطوير مستشفى القصر العيني، وشدد على ضرورة إنشاء هيئات مستقلة تابعة لرئاسة الوزراء!

يرى البعض أن الكوارث الصحية الوخيمة التي يتجرعها البسطاء مسئولية يتحملها الطبيب وحده. بداية من زيادة جرعة التخدير إلى ترك المنشفة في أحشاء المريضة وبتر الساق؛ نتيجة لخطأ غير محتمل .أو إصابة 19 مريضًا بالفشل الكلوى بفيروس «سى»، أثناء تلقيهم العلاج بالمستشفى؛ بسبب عجز التمريض!

هل يتحمل المواطن البسيط عدوى الهيباتيتس إلى جانب مرضه الأصلي دون بدل لهذه العدوى المودية بحياته؟ لأن الطبيب معرض لآلاف الأمراض اليومية والمخاطر في الوحدات الصحية بالأقاليم وتعويضه 19 جنيه. ويواجه الفيروسات والحشرات والجرذان ويشهد تكاثر الثعابين. أما فرش النباطشيات القذرة فمحطمة لفقرات الظهر والغضاريف جميعها. ويحمد الله على الوجبات التي لا تُسمن من جوع إن وُجدت. ألا يستحق مُنقذك بدل العدوى وبعض التقدير منك وجانب بسيط من العدالة الإعلامية؟

غير أني أؤمن أن المستوى الطبي في مصر خير من غيره في الدول النامية القريبة والبعيدة؛ على الأقل المجهودات التي تُبذل تُبرر زعمي!

فحسب الإحصائيات العالمية: مصر تحتل المركز الثامن والثلاثين هشاشة من حيث الفقر، والاقتصاد، والمشردين، واللاجئين، وغياب حقوق الإنسان. بينما الصومال تتصدر القائمة. والإمارات تتذيلها بكونها أكثر الدول العربية تماسكًا: أي الأقل هشاشة.

وتُرجح كلُ الأساطير الفلسفية «أن العقل السليم في الجسم السليم». وهي عبارة لاتينية شهيرة بالمناسبة. (باللاتينية: Mens sana in corpore sano) . بما أن الحال الاقتصادي الأفريقي ككل لا رجاء منه فمن البديهي انتشار المجاعات والأوبئة.

مهما كانت قدراتك الإصلاحية وذكاء ونباهة أطبائك لا بد من الإمدادات المستمرة. وهو ضغط كبير يعجز عنه قادة العالم. فتجد امرأة مسنة في أمريكا الرائدة، المتحكمة في كافة بقاع الخريطة، تتظاهر ضد «ترامب» لافتقاد أبناء جيلها إلى الرعاية الصحية؛ حيث لا يُتكفل بها على النحو القويم!

وعلى صعيد آخر تقول سيدة من فنزويلا متألمة مما آل بالأوضاع الصحية في بلادها: «إذا أردت أن يُجرى لك عملية ما عليك أن تحضر أدويتك إلى جانب أمتعتك؛ ليتثنى لك هذا» . وتكمل «مورين» المتفرغة لرعاية أسرتها : «المصاب لا يجد الأدوات والمستحضرات البسيطة لكفاء الإسعافات الأولية ح

وللدقة الأزمة الحالية -في فنزويلا- لا تقتصر على شح الأدوية أو الموارد الطبية العلاجية بل لغلاء الأسعار نصيب أكبر. فيتزاحم المواطنون على السلع الغذائية في الأسواق، وهم مدركون أن مبلغ جيوبهم لا يكفي ربع احتياجهم! متوسط الأجور لا يكفل قوت أسرة.

وتجد الـcnn متحدثة في هذا الشأن: «نقص العلاج والغذاء في فنزويلا يعكس مدى اهتمام الدولة بالشأن الإنساني!».

 المقارنة غير منصفة، أجبرك أن تشعر بالرضا. فلا تحتج وهو بالأمر الخاطئ!  فقط كن رحيمًا. وابتهج أن القصر العيني -كما أسلفت- يضم آلاف الأسرة والجراحين وأطباء الطوارئ والحالات الحرجة المهرة! إلى جانب خلية النحل المدعاة فتيات التمريض! يستثيرون غيظي كل صباح بطابورهن النشيط وطلابهن الآملات في الخير. ينمو بداخلهن الأجنة الصغيرة وهن فتيات السادسة والثامنة عشر! ومع ذلك يتفوقن ويحصلن على المراكز البهية في أكبر المستشفيات. وأعظمهن حظًا يتم تعيينها في القصر!

….

حتى لا أشق عليك وأصيبك بالاكتئاب الحاد سأنهي مقالي بمصارحتك بالخبر الذي رفع ضغط كافة الطبيبات في العالم. الرئيس الأمريكي -ترامب- استبدل جراحه الرئاسي الخاص، فيفك مرثي، بممرضة. فأصبحت «سلفيا ترنت أدامز» من أوائل الممرضات اللائي يتحصلن على منصب جراح عام. على حد تعبير جريدة نيويورك تايمز.  و برر ذلك خوفه من المؤامرات التي قد تقع لفكرة أن هذا الجراح عمل لصالح أوباما في فترة توليه! وتصرح زوجة دكتور مرثي:«زوجي لم يستقل وإنما تم طرده».  امتصصنا الخبر تعليلًا أن ترامب سادي وكابيتلزت، إلى  أن راجت مقالة في موقع شهير تنصح بالزواج من ممرضات. وأضافت أنهن خير من الطبيبات وأكثر مرحًا وصبرًا وتواضعًا!، هل تضحك الآن؟ لا؟ لا بأس!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

أزمة نقص الغذاء و الدواء في فنزويلا
حوار مع عميد قصر العيني د.فتحي خضير
مستشفى المنيل الجامعي
نيويورك تايمز : " ترامب يستبدل جراحه بممرضة"
وزارة الصحة تذعن الى مطالب اطباء التكليف
لِم يجب على الرجل الزواج من الممرضة
عرض التعليقات
تحميل المزيد