يعتبر مفهوم الصراع بين الطبقات الاجتماعية مفهوم رئيسي من مفاهيم الفلسفة والسياسة الماركسية، مفاده أن هناك صراعًا دائمًا وتنافسًا بين أفراد المجتمع كل انطلاقا من موقعه وصفته. هذا الصراع في تلك الفترة الزمنية كان بين طبقة النبلاء، ورجال الدين، والبرجوازية، ثم طبقة العمال.

إلا أننا نجد أنه بالرغم من التطور الفكري السريع الذي عرفه العالم ككل وظهور مفاهيم الديمقراطية، والمساواة بين أفراد المجتمع وكذلك ظهور الترسانات القانونية والمواثيق الدولية والمؤسسات، التي تحمي كرامة الإنسان وتمنحه حقوقا وتلقي على عاتقه التزامات تجاه غيره، نلحظ أنه ما زالت هناك طبقية متجذرة في عمق المجتمعات العربية عمومًا وفي المغرب على وجه الخصوص، وهذه الطبقية والفوارق تظهر بشكل أكثر وضوحًا في الحالات الاستثنائية: انتشار فيروس كوفيد-19 كنموذج.

بانتشار هذا الوباء قامت الحكومات في جميع دول العالم بإجراءات استثنائية تهدف بشكل أو بآخر إلى الحد من تفشي الفيروس وحصره، والمغرب على غرار باقي الدول قام بدوره بمجموعة من الإجراءات الاحترازية كمنع التجوال، وإغلاق المصانع والحدود في وجه الوافدين من الدول الأجنبية، وكذلك الحرص على توعية المواطنين بالالتزام بهذه الإجراءات ومعاقبة كل من سولت له نفسه أن يخالفها، بالإضافة إلى فتح صندوق للتبرعات المالية لمواجهة الوباء، في الجهة الأخرى والأمر الذي يهمنا هو قرار إغلاق المدارس والجامعات في وجه التلاميذ والطلبة، واستبداله بالتدريس عن بعد، الشيء الذي يثيرنا لطرح عدة تساؤلات: ما حظ تلاميذ المغرب العميق المنسي من الدراسة عن بعد؟ هل جميع الطلبة قادرين على توفير الأجهزة والتكاليف للانخراط في فصل دراسي افتراضي؟ هل يمكن لجميع التلاميذ بدون استثناء أن يواكبوا دروسهم عن بعد وبشكل مستمر؟

من الأشياء البديهية في المغرب أن قطاع التعليم يعرف تهميشًا واضحًا وذلك منذ عهد الاستعمار الفرنسي الذي كان يصفه بأنه «قطاع غير منتج»، وبالتالي فإن ميزانية التعليم في القوانين المالية ضئيلة جدًا إذا ما قمنا بمقارنتها مع القطاعات الأخرى كنفقات الاستثمار والنفقات الجبائية ونفقات التسيير وغيرها، ناهيك عن المستوى الاقتصادي لجل الأسر المغربية التي تعيش غالبيتها على مداخيل يومية أو أسبوعية من قطاعات غير مهيكلة، مما يجعل المستفيدين من التعليم عن بعد محصور في طبقة معينة.

كل هذا يشكل عائقًا للطلبة للدراسة عن قرب أولًا، حيث إن تلاميذ القرى يضطرون لقطع كيلومترات طويلة للوصول إلى المدارس، ووجود نقص هائل في التجهيزات بشكل يتنافى والعيش الكريم مما يجعل تحصيلهم الدراسي ضعيف إلى حد ما، أما الدراسة عن بعد بالنسبة إليهم فالأمر مستحيل ولا مجال فيه للنقاش. أما تلاميذ المدن فقلة قليلة من يستفيد من التعليم عن بعد، لأن ذلك يعتمد بالأساس على المستوى المعيشي لكل أسرة وغالبية هذه التلاميذ هم أبناء المدارس العمومية، تلاميذ ولدوا من رحم المعاناة، وينطبق الأمر على طلبة الجامعات الذين وجدوا أنفسهم في ممر ضيق بين استمرار الدراسة عن بعد، وقلة الموارد التي تمكنهم من الاستمرار، وقلة المراجع والعديد من المشاكل التي وجب عليهم مواجهتها بشكل حتمي.

في نهاية الأمر، يجب على الحكومة المغربية أن تراعي في اتخاذ إجراءاتها كافة الشرائح الاجتماعية، مع ضرورة وعيها بأن المجتمع المغربي مجتمع تغلب عليه الطبقة الفقيرة، التي دائمًا ما همشت سواء بالنسبة للتعليم والتعليم العالي أو الأساسيات الأخرى من صحة وغيرها، لهذا فإن تدابير من هذا القبيل هي تدابير لا تتماشى مع الوضع الحقيقي للمواطنين، الشيء الذي يساعد في تعميق الفجوة بين مؤسسات الدولة والشعب ويكرس انعدام الثقة بينهما.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد