كان الحوار ولا زال هو قمة سُلم الرُقي في العلاقات البشرية على مدار العصور، فالحوار نِتاج حضارة إنسانية بلغت من القوة مداها لتُبدِع لنا أرقى وسيلة تواصل عرفها الإنسان، والحوار بدوره هو تبادل وجهات النظر بين طرفين أو أكثر للوصول إلى إدراك أعمق للقضية المطروحة.

وكما هو معلوم لم يعُد إتقان هذا الفن رفاهية كما كان في الماضي، بل أصبح ضرورة لا بُد أن يتسم بها الإنسان العصري في زمنِ الذرة والتعقيد، ولكي تُتقن هذا الفن لا بد من التعرُف والتدرُب على عدة خطوات مُهمة سوف تُساعد على جعل الحوار مُثمرًا وذا فائدة، نذكُر من تلك الخطوات على سبيل الذِكر لا الحصر.

1. استمع.. ولا تُقاطع

للاستماع مفعول السحر أثناء الحوار، ولذلك فهو أهم وأول خطوة بالطبع، فإذا أردت أن يستمع إليك شخصٌ ما باهتمام فقط اعطِ له فرصة أن يُبدي وجهة نظره كاملة وبدون مُقاطعة، وسوف يُساعدك هذا أيضًا في أن تفهم فكرته المطروحة الفهم الصحيح وبالتالي سوف يكون ردك خاليًا من العيوب والانحرافات.

ونذكر هنا قول الشاعر العربي:

          مَن لي بإنسانٍ إذا خاصمتُه .. وجهلتُ كان الحِلمُ ردَّ جوابِه!

     وتراه يُصغي للحديثِ بسَمْعِه  .. وبقلبِه، ولعلَّه أدرى به!

2. تخلص من نظرية الأبيض والأسود

وبعبارة أخرى، تخلص من منطق الطفل الصغير، فالطفل يرى العالم من منظورين فقط هما الخير والشر، فعندما تمنح الطفل شيئًا يُريده تُصبح في صفوف الأخيار للأبد، وعندما تحرمه من نفس الشيء تُصبح فجأةً في صفوف الأشرار وللأبد، فالتخلص من ذلك المنطق الناقص يُسهم بشكل مباشر في فهم أعمق لوجهات النظر المُختلفة، فوجهة النظر الواحدة قد تحتوي على الصواب والخطأ معًا، ومهمتك هُنا أن تقبل الصواب وأن ترفض الخطأ بالطبع، وهنا تتجلى الموضوعية في أسمى صُورها.

3. احرص على التواصل البصري

يفقد مُعظمنا الشعور بأهميته لدى الشخص الآخر عندما نُلاحظ شرود بصره بعيدًا عنا، ولذلك فقد انتبه علم النفس مُبكرًا إلى تأثير التواصل البصري على مستوى العلاقات الاجتماعية، فقد أظهرت بعض الدراسات التي قام بها العالم ألبرت محرابيان أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا أن لغة الجسد والتواصل البصري يُمثلون نسبة 93% من التواصل مع الآخرين في حين أن 7% فقط من التواصل يعتمد على طبيعة الكلمات.

وعليه، فأن تنظُر إلى عيني مُحاورك باستمرار يدُل دلالة واضحة وصريحة على أنك توليه اهتمامك الكامل بالإضافة إلى إظهار ثقتك بنفسك أثناء الحوار.

4. حافظ على المنطق.. ولكن لا مانع من بعض العواطف

تختلف أنماط الشخصيات المُختلفة اختلافًا كبيرًا، فهُناك من يتم إقناعه عن طريق استخدام المنطق وفقط، والآخر باستخدام العواطف الجياشة، وهذا بالمزج بين المنطق والعواطف، ومُهمتك هنا أن تحدد طريقة تفكير مُحاورك لكي تعرف الطريقة التي تستخدمُها للتأثير عليه وتوصيل وجهة نظرك بالطريقة السليمة.

إليك نصيحة تُساعدك على تحديد نمط شخصية الشخص المُقابل لك، فإذا كان الشخص كثير التعبير بالوجه واليدين مع انفعالات واضحة وعفوية فهو يميل بشكل كبير إلى التأثر بالعواطف على حساب المنطق، أما إذا كان هادئ الطباع لا يُبدي أي انفعالات أثناء الحوار مع نُدرة التعبير باليدين والوجه فهو شخص يولي المنطق اهتمامًا كبيرًا.

وعمومًا فإن أغلب الناس يتأثرون بالنمطين معًا مع تفاوت في الدرجات، ولذلك فاستخدام المنطق بجانب العواطف يؤدي إلى تأثير كبير ومضمون.

5. تعلم أن تقول «آسف،لقد أخطأت»!

وها قد وصلنا للنُقطة الأصعب لدى الكثير، فقول تلك الكلمة المشبوهة عند بعض الناس بمثابة انتكاسة لا بُد من تجنُبها، والحقيقة عكس ذلك تمامًا، فكلمة «آسف» تعكس وعيًا عميقًا لدى الشخص بمعنى كلمة «حوار»، والحق يُقال أن تلك الكلمة ثقيلة على لسان الكثير ولذلك لا ينطق بها إلا شخص مُتصالح مع نفسه لأقصى درجة. ففي المرة القادمة التي تُخطئ فيها وتُدرك ذلك الخطأ لا تتردد بقول «آسف، لقد أخطأت».

تم ذكر تلك النقاط دون غيرها لما رأيناه من تأثيرها المِحوري في الحوار، ولأن باقي النقاط تأتي تِباعًا. تذكر أن الأمر ليس صعبًا ولكنه يحتاج إلى مجهود شاق للتعود عليه، فبالتمرين والتدرب سوف تصِل للمستوى الذي يُمكنُك من قيادة دفة الحوار نحو الاتجاه الصحيح، وإليك مِسك الختام وهي قاعدة ذهبية تُلخص كل ما سبق بكفاءة عالية: ً«عامل الناس كما تُحب أن يُعاملوك، حتى أثناء الحوارً»، وأرجو أن تلتمس ليَ العُذر في هذه الإضافة الأخيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد