إن المتمعن في أحوال المجتمع الجزائري لا شك أنه قد لاحظ تطورات رهيبة شهدتها الساحة الاجتماعية على خلفية الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية مؤخرًا، لكن الأمر المتفق عليه في الغالب هو أن فئة كبيرة من أفراد المجتمع صارت تستعمل مصطلح الإلهاء؛ إذ يمكن القول إنها هي الأخرى صارت قضية بحد ذاتها رغم أن تناولها بطريقة علمية قد جاء متأخرًا.

الهوس الذي نلاحظه على أفراد المجتمع الذي صاروا مدمنين إن صح القول على متابعة كل ما هو جديد في الساحة والدور الذي لعبته وسائل التواصل الإجتماعي في ذلك سلبًا، والتسويق الرهيب الذي يقوم به النظام لكثير من الترهات والتي أخذت لنفسها اصطلاحًا لدى العامة، بل وحتى لدى السياسيين بما يعرف بالرداءة، كل ذلك يشكل قضية الإلهاء، فبعد تكريم أحد النشطاء على السنابشات من طرف وزير الثقافة تكريمًا جعل الكثيرين يدقون ناقوس الخطر ومدعاة للقول إن الإلهاء قد وصل إلى أقصى درجاته.

فلم يعد السياسيون يستعملون كرة القدم كما من ذي قبل وتجاوزوا فكرة التقشف التي اخترعوها إثر انهيار سعر البترول والذي بدأ يتصاعد مؤخرًا، ولم يعد الإلهاء بصفة عامة يعتمد على التقنيات التقليدية، بل شق لنفسه طريقًا في اليبس وصار يتقنع بصور كانت تبدو قديمًا مستحيلة الحدوث. فتكريم ناشط سنابشات على شهرته الشخصية أمر لم يستسغه الكثير والمواضيع التافهة التي تنشرها القنوات الإعلامية وتروج لها مجرد ترهات تسعى لترسيخها في ذهنية الفرد الذي وجد نفسه عبدًا طائعًا يجري وراء كل خبر جديد ولو كان تافهًا، بل أدمن إدمانًا وصار يتخذ منابر لكل قضية تافهة يناقش فيها التفاصيل، فتجد المجالس تعقد من أجل مناقضة قضية مشي أحد الأشخاص بلباس قصير في الطريق أو حول ذئب شوهد في غابة أو شخص أعرب عن رغبته في التبول على صفحة فيسبوكية ما. هذه الترهات وأسوء منها صارت قضايا بذاتها للأسف.

إن القنوات الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي تلعب الآن دورًا سلبيًا جدًا لا يناط بها البتة، حتى وإن كان البعض يرجع ذلك إلى الهيمنة التي يفرضها النظام على المجال الإعلامي هيمنة تجعل هذا الإلهاء نظامًا قائمًا بذاته، كما أن التفاعل الجماهيري أيضًا صار ظاهرة غير صحية بتاتًا، ظاهرة صامتة رغم الصخب الجماهيري، صامتة لأن البعض مازال ينظر إليها ببراءة والبعض الآخر جلس يائسًا عن المبادرة وآخرون يتهربون من المسؤولية التي من المفروض أن يكونوا هم في مقدمتها. ولا ندري لحد كتابة هذه الأسطر ما الذي يجعل علماء الباحثين الاجتماعيين والنفسانيين جالسين مكتوفي الأيدي يتفرجون على مهازل يشاهدونها كل يوم أمام أعينهم، تحاصرهم كل لحظة رغم أنهم الفئة الأكثر تضررًا، ولقد اختار أغلبهم الهروب والصمت تخلصًا من عناء الحركة، بل من عناء المحاولة التي تبدو للكثيرين بلا فائدة، وأن الجرح قد وصل إلى درجة كبيرة من التعفن.

صحيح أن الوضع متعفن جدًا، لكن من يا ترى يتوجب عليه قيادة قافلة المحاولة؟ ومن غيرهم المثقفون؟ أم أننا ننتظر جيلًا كجيل نوفمبر (تشرين الثاني)، لكن هيهات هيهات، فلا جيل نوفمبر سيعود، ولا هذا الجيل يمكنه التغلب على الإلهاء ما دام مثقفوه جالسون في المقاهي يسبون القدر.

ندق ناقوس خطر الإلهاء الذي يتطور بوتيرة سريعة جدًا ويسير بنا نحو الدرجات السفلى في الهاوية ويمنعنا من نظر ومعالجة القضايا المهمة، بل يصدنا حتى عن التفكير في قضايا العيش في ظروف جيدة وشوارع نظيفة ومناصب عمل ملائمة وتعليم جيد واقتصاد واقف سليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد