لا لوم على الصحفيين إن أعرضوا عن تناول الملف العراقي المشار له منذ ٢٠٠٣ بالملف المعقد، رغم أنه لم يكن كذلك بادئ الأمر، ولكن لربما ساهمت أحداثٌ أخرى متتالية بالإضافة إلى الترحيب المبالغ فيه من وسائل الإعلام حينها بالمشروع الأمريكي “خوفًا أو طمعًا” بغياب العراق أو فهم أوضاعه عن السواد الأعظم من الإعلاميين والعرب منهم خاصة.

واليوم، وبعد أحد عشر عامًا على احتلال العراق وانسلاله من محيطه العربي إلى الإدارة الغربية المباشرة إلى إيران بالوكالة أولًا ثم الإدارة الفعلية أخيرًا؛ مر العراق بمحطاتٍ ومنعطفاتٍ كان الواقع اليوم باكورة تجلياتها من مناطق متأزمة أدى الفراغ الأمني فيها إلى انتهاز داعش الفرصة لتحقيق حلمها “بما يسمى الخلافة“ على أرض انتقلت من معاناتها على يد الاحتلال ثم المليشيات الإيرانية، لتقع أخيرًا أسيرة فكرٍ طارئ أحال ظلمتها المزمنة على مدى عقد إلى ليلٍ أدهم لن ينجلي إلا بسيولٍ من الدماء.

سيعقبها حتمًا فجاجة أعلى في التهميش والإقصاء والتطهير العرقي في مناطق العرب السنة. وتعود الثلاثية ذاتها الملازمة للمشهد العراقي، والتي بذخت الأموال لترسيخها إعلاميًا وسياسيًا، وهي أن العرب السنة إما شركاء في الحكم أو إرهابيون ظلاميون مثلوا بيئة حاضنة لداعش وقبلها القاعدة، أو لاجئون في دول الجوار إما مترفون غير آبهين بمصير بلدهم، أو آخرون يعانون الأمرين بحثًا عن الاستقرار أو فرصة لجوء تمنحهم الاستقرار المفقود منذ أعوام.

بينما ينفرد العرب الشيعة بالحكم بفجاجة لا ينكرونها ويثقون ثقةً مطلقة بوضعهم الحالي و“دولتهم المنشودة منذ عصر الانقلاب الأول بعد خروج الخلافة من بني هاشم وما حيك حول تلك الأحداث من أساطير“.

فلا ينفك الساسة والإعلاميون ناهيك عن رجال الدين الشيعة في العراق؛ عن ربط كل جزئية تتعلق بواقع اليوم بالـ“مظلومية التاريخية“ التي لا بأس من استعادة الحقوق بعدها على حساب الوطن الواحد وتحميل كل “آخر“ من خارج الطائفة تبعات ما فعله كل “آخر“ خارج دائرة من هم اختاروهم من بني هاشم، وفق أسس المذهب الأولى التي حيكت في أوضاع استثنائية.

استحالة من حالة التميز الفقهي، إلى الحرب السياسية مما شكل إرثًا ضخمًا من الكراهية المتوارثة، للآخر الذي لم يكترث طويلًا لتلك الترهات من وجهة نظره وإن مارس التعسف ضدهم في بعض محطات التاريخ، كلما لمح تحركًا مريبًا ممن اعتبرهم أقلية لا ضير من وجودها ما دامت لا تمارس الفعل للتنفيس عن تراكمات الذات.

نعم، هكذا أو إلى هذا الحد يختلط الحابل بالنابل في السياسة اليوم في عراقٍ وإن بدا قويًا مفعمًا بالحيوية والعلم والقوة العسكرية خلال عمره الفتي منذ نشأته الحديثة عام ١٩٢١، فهو بالفعل إذا ما قورن بسواه من الدول لم يزل فتيًا. على الأقل قبل إصابته بالشلل التام عام ٢٠٠٣.

ذلك الشلل الذي أعقب نوبات الشلل المؤقت في الأعوام ١٩٥٨، ١٩٦٣، ١٩٦٨، ١٩٧٩، ١٩٩٠. عندما تنقل العراق بين دوائر المخابرات شرقيها وغربيها عند تغليب فريقٍ على آخر لينسجم دومًا مع توازنات الشرق الأوسط، والذي يمثل العراق فيه ركنًا هامًا كجدار صدٍ أمام إيران شرقًا وتركيا شمالًا، وبوابةً شمالية للخليج العربي، بالإضافة لوجوده كحجر عثرة أمام ثورة الملالي في طهران عام ١٩٧٩، حيث قطع العراق الشارع الممتد من طهران إلى دمشق إلى بيروت عندما كانت التوازنات ومهندسوها يرون في دور العراق حينها ضرورة.

واليوم، ومع تبدل قواعد اللعبة سياسيًا والدواعي الاقتصادية التي تطلبت شرقَ أوسط جديدًا، كان لابد من أن تكون البدايةُ في العراق، وقد حدث. وقد حدث أيضًا أن المشروع يقطع نجاحاتٍ مثيرة في مرحلة انتزاع الهوية العربية والإسلامية عن الشرق الأوسط وذلك ما يستحق حديثًا مطولًا.

لكن أمام تلك الخنادق التي أكره الناس على النزول فيها، أو أريد لعددها أن يختزل المشهد؛ يغيب خندق رابع عن المشهد إعلاميًا وسياسيًا بل وحتى في وجدان كل عربي، وهو خندق أصحاب الهم الوطني العراقي. تلك الفئة التي لم تكن يومًا مع العملية السياسية المسخ في العراق، ولا مع التنظيمات الظلامية، ولا مع الهاربين ممن استبدلوا الخنادق بالفنادق.

بل بقوا يعضون بالنواجذ على أحلامهم بوطنٍ حر الإرادة يلملم جراحه وكفاءاته ليصنع من جديد عراقًا “أكثر ذكاءً من ذي قبل“ يعرف حجمه الحقيقي ويلتفت للتنمية والعلاقات القائمة على احترام الغير، بعيدًا عن الهتافات “الجوفاء“، التي أودت بالبلد وأهله إلى ربما حيث اللاعودة.

وتظهرُ ملامح ذلك المعسكر تارةً بمقاومة الاحتلال وأخرى بالعمل السلمي خلال الاحتجاجات والاعتصامات التي كانت عرضة للاستغلال من قبل المتحجرين سياسيًا وفكريًا مرات عدة، أو من قبل الانتهازيين الذين رغبوا بسرقتها ليساوموا عليها محافظي بغداد وعمال الولي الفقيه عليها.

ورغم كثر الطنين الذي يحاط به من قبل معارضةٍ لا تقل سفهًا عن حكومة العراق، ورغم الحصار الإعلامي الخانق المضروب حول ذلك المعسكر، إلا أن شبابه المنتشر في العراق، كل العراق بمختلف أطيافه، ممن تغلبوا على عقلية القطيع المذهبي أو الإثني؛ لايزال يتنفس متواريًا عن الأنظار بسبب الحرب الحالية بين السيء والأسوأ، وكلاهما لا يرغب بوجوده ويسعى لتذويبه ومصادرته، ناهيك عن الغرب الذي يقلقه وجود عقولٍ عراقية لا زالت رغم أطنان اليورانيوم، تنبض بالفكر والإرادة خارج سحائب دخان الشيشة، وصفير المشجعين حول شاشةٍ تعرضُ مبارات كرة قدم.

وإذا كانت الصحافة هي البحث عن الخبر، وإذا كان الإعلام الحر هو صوت من لا صوت له؛ فكم من وسائل الإعلام رسميةً كانت أم جماهيرية تمتلك الإرادة والقدرة والشجاعة في البحث عن ذلك الخندق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد