أظنُ أنَّ الحديث عن السَّلام أو الكتابة عنه؛ تتطلبُ نفسًا مُسالمة، حتى لو كان من يكتبُ عنه لغرض البحث والدِّراسة، لأنَّ السَّلام بمعناه الواسع ليس انحسار الحرب، أو غياب الصِّراعات، إنِّما هو استحضارٌ لكلِّ القيم والمبادئ السَّامية والآداب والخُلُق الرَّفيع، التي تحثُّ الفردَ على اتّباع درب الإنسانيَّة والفَهم الواعي لما يُحيطُ به، وتدفعُه لسلوك بناء الحياة التي تُبنى على جوهر وحقيقة وجودنا في العالم، وهي تتمثَّلُ في المحبَّة والإخاء، هذه القيمُ التي جاء بها أغلبُ رُسل السَّماء، وقديمًا عرفتها أغلبُ الحضارات، حتّى تلك التي عانت من الحروب والصِّراعات، وبَنَتْ نفسَها وتأريخَها وعظمتَها وسيرتَها من خلال الحبِّ والتَّعاون والأُلفة والتَّواصل، التي أوصلتهم جميعا للسّلام، فإن أردنا أن نتحدثَ عن السَّلام، حتمًا يجبُ علينا أن نكونَ مؤمنين به أيَّما إيمان، ومتعلِّقين به للحدِّ الذي يجعلُنا نحيا في سبيلِه.

حيثُما يوجدُ «الاختلافُ» يحطُّ السَّلامُ رحالَه، والحديثُ عن أنَّ التنوع والتّعدُّديَّة هما اللّذان يُنشئان الصِّراع أو النِّزاع، أو يكونا سببًا في نشأته، أو من المُمهِّدات لقيام الحروب؛ هو محضُ أوهامٍ، ابتدعها أولئك الذين لم يجدوا السَّلام في أرواحهم، فراحوا يصبَّون جلَّ غضبهم وحقدهم على الآخر، الآخر الذي ربَّما كان ضعيفًا.

أو قد عرف السَّلام الحقيقي فتبنّاه واتّخذه طريقًا في حياته، لذلك، المشكلة لم تكن قط بالتَّنوع، أو بالآخرين المختلفين، إنَّما بفهمنا وإدراكنا لمعنى أن يكون معنا آخرٌ مختلف، بدينهِ أو أفكارهِ أو عقيدتهِ أو جنسهِ أو لونهِ، كلُّ ما في الأمر أنَّهم لم يعوا جيدًا رسالة الله لنا، الرِّسالة التي أخبرنا فيها أنّنا كلُّنا بشرٌ متساوون بنظرِه، فهو لن يرانا على أنَّنا نتبع هذا الدِّين أو ذاك، ولا يرانا على أنَّنا عربٌ أو أمازيغ أو كُرد أو غيرهم، ولن يُصغي لنا أكثرَ إن كنَّا سودًا أو بيض، الرَّبُّ هو روح السَّلام الذي قال خلقتُكم مختلفين لتعارفوا ولتُحبّوا بعضكم وتتواصلوا وتتآزروا، لماذا؟

 لكي تصلوا إلى حقيقة إني أُقيّم الإنسان الذي سيكون أكرمكم وأتقاكم عندي، أقيِّمُه من خلال تقواه وعملِه، وكيف سيكون الإنسانُ تقيًّا مُكرَّمًا عند الله دون أن يكون مُحِبًّا للسًلام وداعيًا له وعاملًا به؟ مع كلِّ ما يُحيطُ به، وأنا أُؤمنُ أنَّ الله أعطى البشريَّة كلَّها درسًا عظيمًا لا يُنسى في السَّلام، حين بعث آلاف الأنبياء لآلاف الأمم والأقوام، وشَرَّع عشرات الأديان، التي تدعو له، وهو من خلالها يدعو للمحبَّة والسَّلام، ولو أراد لَبَعَثَ نبيًّا واحدًا فحسب، أو قل دعا لدينٍ واحدٍ وفكرةٍ واحدة، فهذا درسٌ كبيرٌ وجليٌّ في السَّلام، ينبغي لنا أن نفهمه ونعيه، ونُسخِّر التنوع الذي لدينا من أجل بناء السَّلام وتعزيزه، وتقريب أفكارنا ودعواتنا ورؤانا وتصوراتنا وفهمنا للعالم، لا أن نسمح لفكرةٍ طائشةٍ تُصيب جسد الإنسانيَّة فتُدميه وتُفرق تماسكَه.

أقولُ إنَّ التنوعَ لم يكن أبدًا حاجزًا لنشر السَّلام أو بنائه أو التعايش تحت خيمته، وهو لن يكون في قادم الأيَّام بالطّبع، لأنَّه دليلٌ قطعي على تنوَّع الحياة بالأساس، هذا التنوُّع الذي لو لم يكن موجودًا لفقدت الحياةُ بريقَها، وما كان فيها هذا التناغم الذي نعرفُه الآن.

وقد يكونُ أهمُّ ما يُعيق خلق أو نشر أو بناء أو إيجاد السَّلام والدعوة له في مجتمعنا هو اجتهادُ فئاتٍ منّا في تصنيف الآخرين، وبذلهم جهودًا في وضع المُختَلِفين عنهم – في الدِّين والفكرة واللّون واللُّغة – في خاناتٍ مُبتَدَعَة، بَنَوا من خلالها وعلى أساسِها طريقة نظرهم لهم، وطريقة تعاملهم معهم، فحين نرى أحدًا مختلفًا عنّا، فإنَّ نظرتنا له تلك اللَّحظة هي التي يتَّضحُ لنا فيها إن كنَّا نحملُ السَّلام في دواخلنا ويتجلّى في أخلاقِنا وتعاملِنا، تلك هي «أسمى لحظةُ سلام» وطمأنينة قد يشهدُها المرء في حياته.

نحتاجُ أن نُعلَّم الأجيال ونُربِّيهم على فهم الحياة من منظور التَّشارُك والتَّعايُش وتقبُّل الآخر، بل أبعد من ذلك ينبغي أن نصلَ معهم للحدِّ الذي تتلاشى فيه تلك الفوارق من أذهانِهم، ولا يبقى لها وجود، لأنَّنا سنُطلق رصاصة اللّارحمة على السَّلام حين نضعُ كلَّ فئةٍ أخرى تختلفُ عنَّا في قالبٍ غيرِ قالبنا، أو في موضع المُهمَّش والمُستَبعَد وربَّما المُعنَّف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التنوع, السلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد