في النفس الإنسانية بطبيعتها عطش لا يرتوي من المعرفة والفضول، وإلا لماذا تجدها تبحث في تاريخ الأمم الماضية قبل آلاف القرون، عن طعامهم ومسكنهم ولباسهم ومعماريتهم، لغاتهم وأساطيرهم وأفكارهم ومعتقداتهم؟ وترانا لماذا تشدنا المتاحف في أشكال الحياة القديمة؟! لماذا نجهد في تخيل شكل أدواتهم واستخداماتها، كيف كانت مبانيهم ومعيشتهم، بل حتى تستهوينا الأساطير وأقاصيصها.

جُعلنا أممًا وشعوبًا مختلفة، قد تبتعد كثيرًا وتقترب قليلا في تصرفاتها وتفاعلاتها وتفسيراتها. فمن عادات الضيافة والاستقبال إلى الصداقة والجوار والمحادثات إلى طقوس الوداع أو العزاء وكل التفاعلات المجتمعية. فهذا مجتمع يعتقد أنه من المعيب أن يرى الغريب ولا يبتسم في وجهه، بينما آخر يعتقد أنه من المعيب لك والمهين لمن أمامك أن تبتسم في وجهه دون معرفة به أو سبب يدفعك لهذا. مجتمع يحب المناطق الشاسعة المفتوحة، وذاك يفضل المغلقة المعتمة.. ولن تنحصر الاختلافات لو أردت لها حصرًا.

كلما دخلت في الاختلاف أكثر وابتعدت عن ما يشبهك، كان ذلك فرصة لأن تتعمق فيه وتدركه أكثر وتستفيد منه بل وتستمتع بجماله. فإرضاء النفس في فضولها ليس هو الفائدة الوحيدة في معرفة المجتمعات والشعوب المختلفة عنك..

تتمثل إحدى هذه الفوائد في معايشتك لمتعة الدهشة واستكشاف الآخر، فتحيا أوقاتك هذه بما تملك من نبض اندماجك مع اللحظة التي تحياها ما دمت ترافق الدهشة. تنشغل حواسك مجتمعة منسابة باتجاه واحد تستكشف به الآخر فتراك مستمعًا بإنصات، ناظرًا بشغف. هل نقول كما الطفل يستكشف لعبة جديدة؟ ربما نكون على درجات في دهشتنا؛ أعلاها دهشة الطفل وأدناها ذلك الناضج لا يملك أن يتعجب!

كما أن معرفتك لتنوع المجتمعات في تفاعلاتها مع أمر ما يعطيك المرونة لتغير من تصرفاتك بما يتناسب مع من حولك، فتملك القدرة على اختيار التصرف اللائق في الظروف والأماكن المختلفة. هذا بالطبع انعكاس لمرونة في فهمك للمواقف وتغيراتها. فتصمت حين يلزم الصمت، تبتسم، تعلق بما يناسب، لا ترتبك، تحسن الدخول أو الانسحاب، كل عند لزومه، أو قد تعتذر بلباقة مستحبة ودون تكلف أو حرج  على ردة فعلك أو استجابتك غير المصيبة.

ولمّا عرفت الاختلاف أكثر أدركت أن للأمور أوجهًا أخرى فلا تنحصر بنظرتك التي اعتدت عليها. تتوقع دائمًا وتستعد أن هناك تفسيرًا لما رأيته أو استغربته. تزداد ممانعتك للتوتر، ويضعف أثره عليك، وتزداد اطمئنانًا إذ تعلم أن المواقف والآراء تحمل أوجهًا أخرى، وباطلاعك على الآخرين، على المختلفين، تفترض أن لهم، ربما، سببًا وعذرًا. وأخيرًا بإدراكك أن ما يحدث الآن أمامك ليس إلا جزءًا من الصورة، تزداد تحملا وصبرًا.

ولعل أكثر ما في هذا الفضول من فائدة هي ما يفتحه لك من مزيد أفهام، فما معارفنا إلا تراكيب تتراكم عبر الخبرات، والمعرفة لا تزداد بعدد الأيام كازديادها بقيمة ونوعية الخبرات. كما أن المعرفة الجديدة لا تنعزل عما كان لدينا من معارف سابقة، فتحاكمها أو تعززها أو تتركب فوقها لنزداد لها تقليما وتزداد لدينا وضوحًا.

وُلدنا ملتصقين بأحضان أمهاتنا ومنها خرجنا، اتسعنا لندرك الأب، القريب جدًا لكنه من خارجنا وبداية انفتاحنا، ثم إلى الحي، مدرسة الحي، جامعة البلد، تزداد دائرتنا اتساعًا بحركتنا الطبيعية، ولنا أن نقفز فيها، أن نسعى للتعامل مع المجتمعات المختلفة، أن نتعرف عليها وأن نستمتع بمراقبة تفاعلنا معها، وأثرها علينا، نستمتع بمراقبة الاختلاف نفسه فنحيا أوقاتنا بوعينا فيها، فما الحياة إذا عشناها مجردة من وعينا فيها؟! عدّاد دقائق وساعات، أيام وسنوات؟!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد