قال سون تسي: «إن أفضل ما في الحرب هو الاستيلاء على بلاد العدو سليمة كاملة، لكن إن دمرت فذلك أدنى ما في الحرب، أن تأسر جيش العدو كاملًا أفضل من تحطيمه، وذلك لأن أسر فصيلة مكونة من خمسة جنود أفضل من سحقها».

لم يكن من قبيل الصدفة أن تتركز المؤامرة الأمريكية على العراق وتبدأ به وتتوج بإسقاط نظامه واحتلاله وحل جيشه.

الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن تريد أسر العراق وإخضاعه لسيطرتها، صدام حسين كان صاحب مشروع نهضوي عربي قادر على تحقيق التوازن مع المشاريع الإسرائيلية والإيرانية في منطقة الشرق الأوسط، لقد أرادت تحطيم هذا المشروع لتأمين المصالح الفارسية والإسرائيلية، وفتح باب الصراعات المذهبية في المنطقة، معممين ثقافة الفوضى والنهب والسلب وانتشار الميلشيات العقائدية المدعومة مباشرةً من دول الجوار. وبذلك نكون قد دخلنا المرحلة الثانية من «الفوضى الخلاقة» فقد سبقت تلك المرحلة وصول الخميني إلى الحكم، وإعلان إيران دولة شيعية في الدستور، مثل إنشاء تنظيم القاعدة في باكستان أثناء الحرب الأفغانية- السوفياتية بإشراف أمريكي.

بيد أن مراكز الاستشعار العربي كانت معطلة بشكل شبه كامل عما يحاك لها من مؤامرات، لهذا تمادت بعض الأنظمة المؤيدة للغزو الأمريكي للعراق في انتهاك الديمقراطية وحقوق الإنسان وتصميم انتخابات شكلية، لتنطلق الشرارة الأولى بدءًا من تونس، ومرورًا بسائر الأقطار العربية التي شهدت تلك الاحتجاجات.

رغم أن تلك الحركة الاحتجاجية بدأت بصورة عفوية، ولكن هذا لا يعني أنها استمرت على هذه الحال، فمنذ انطلاقاتها الأولى تحولت العديد من عواصم العالم العربي إلى مراكز لخلايا استخباراتية أجنبية نشطة تعمل على إدارة تلك الاحتجاجات وتوجيه أهدافها وتمويلها، وحتى تسليح الأضداد المتقاتلة فيها كما هو الحال الآن في سوريا «لتقسيم المقسم وتفتيت المفتت»، ومحاولة إعادة ترسيم حدود المنطقة على أسس عرقية وطائفية ودينية؛ تمهيدًا لتحقيق النبوءة كما جاء في السفر الأخير من «الفوضى الخلاقة».

لو أرادت الولايات المتحدة الأمريكية قلب نظام الحكم في سوريا لفعلت ذلك منذ زمن طويل، ولو كان همها الإنسان وحقوقه فعلًا، ما تركت نفسها في موقف المشاهد تحصي أعداد اللاجئين والقتلى، سوريا والمنطقة في خطر كبير، الجميع يتقاتلون برعاية أممية- إقليمية على أساس ديني سني شيعي، بهدف تغيير الخريطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها، وخلق كيانات طائفية مذهبية ضعيفة إلى جانب كيان صهيوني قوي، نحن أمام مشهد قديم حديث يذكرنا بالحرب العالمية الثانية واتفاقية سايكس- بيكو. واليوم تتأهب روسيا وأمريكا لتقاسم النفوذ في المنطقة دون صدام، عبر إرساء هدنة في سوريا يعكس التفاهم بين كيري ولافروف، وفي الطرف الآخر تركيا والسعودية قد تطلقان عملية برية في سوريا.

إن الأحداث الراهنة كبيرة جدًّا ولها ما بعدها، المشهد في سوريا يزداد تعقيدًا وينذر بحرب طويلة الأمد ستحدد موازين القوى في المنطقة لفترة طويلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد