كثيرًا ما أجد أشخاصًا يكتبون على صفحاتهم الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي استغاثات يائسة تلخص إحدى مشاكلنا الكبيرة في الفهم، ألا وهي مشكلة عدم فهم العدل الإلهي.

ستجد استغاثات من نوع “يارب أنت سايبنا كده ليه؟” وما على شاكلتها من أشخاص سئموا الوضع العام في بلدنا المنكوب، فهم يُعرِفون العدل الإلهي على أنه عدل مطلق في الحياة، فقط.

أما المفهوم الذي أعتقده هو أن العدل الإلهي منفصل عن عدل الحياة، وفي هذا الأمر تبيان.

إذا اعتبرنا أن الحياة لعبة لها قوانين محددة، في هذه الحالة يجب إدراك هذه القوانين جيدًا قبل الاندفاع في طلب الاستغاثة، قوانينها أن المجتهد يفوز والخامل يفشل، أن الضعيف يُداس بالأقدام، أن هناك أشخاصًا بلا ضمير سيظلمون ويسرقون ويزورون الحقائق ويسفكون الدماء ويُفسدون حياة الآخرين ولا يمكن محاربتهم إلا بالوقوف أمامهم بقوة وحزم، وقوانين أخرى متشابكة ستدركها في كل مرحلة من حياتك ولن تسرك كثيرًا فهي صادمة للأسف. لذا عندما تقابل كل هذا لا تلم الله، فأنت فقط كنت أقل قدرة من إكمال اللعبة بكفاءة.

الله لن يشق لك البحر ولن يعطيك القدرة على إحياء الموتى, وبالتأكيد لن يؤيدك بكتاب يُلقيه عليك الروح القدس, سيتدخل الله فقط ببعض فيوضات من رحمته، بعض اللمحات التي قد لا تشعر بها، هذه قوانين اللعبة.

ألا نصل إلى نتيجة بعد إدراك ما سبق وهي أن وضعنا الحالي قد يكون طبيعيًا للغاية وفقًا للظروف والمواقف المتعاقبة علينا؟ عدل الحياة في تركها تسير بقوانينها, لا تطلب من الله أن يغير قانون الكون من أجلك، فالتدخل الإلهي هنا سيكون ظالمًا للشخص الذي امتلك ظروف النصر حتى وإن كان إبليس نفسه، إذا لم تعرف بعد قواعد اللعبة التي وُجدت بها فهذا خطؤك أنت.
أما العدل الإلهي المطلق بمفهومه الصحيح فسيؤمن به فقط المؤمنون بالحياة الأخرى, عدل منقسم على جزأين مكملين لبعضهما وهما الدنيا والآخرة, هنا تكتمل القصة ويكتمل العدل بالحساب, عدل لن تبقى بعده مَظلمة.
ولكن من الممكن أن نفهم دعاء هؤلاء من منظور آخر وهو منظور أراه دافع الكثيرين للإيمان بالله أو بأي دين كان, ألا وهو إحساس “اللجوء”.

عندما كنا صغارًا وتواجهنا مشكلة ما حتى وإن كانت تافهة كنا نلجأ لوالدينا, ولكن هذا اللجوء يتوقف عند سن معين ويبدأ الشخص في اللجوء لذاته، ثم في مرحلة أخرى يصبح هو ملجأ للآخرين, وهنا يبدأ الاحتياج للجوء مرة أخرى ولكنك تنظر من حولك فلا تجد ملجأ لأنك أصبحت أنت الملجأ، وهنا يأتي أهم أدوار الإيمان.

لا تنطبق فكرة اللجوء عند الكبر فقط بالطبع, ولكنها تظهر جلية في مواضع تنفذ فيها كل الخيارات الأخرى، فالأمر مريح حقًا، تواجهك مشكلة أكبر من قدراتك ولا تجد مساعدة من أحد، فتطلب العون ممن تؤمن أنت أنه أقوى من أي ظرف وتسلمه زمام الأمر بالكامل, ستشعر حينها أن الحمل الثقيل الجاثم على أنفاسك قد أُزيح بلا رجعة، ستتسرب الراحة إلى نفسك وستشعر أن المشكلة تافهة، فالله سيحلها لك.

نستطيع أن نستنتج مما سبق سر قوة تأثير الإيمان الديني الذي أراه يفوق أي قوى أخرى, هذه القوة التي تجعل الكثيرين مقتنعين أن الله فضّلهم على غيرهم وقد يؤيدهم بالمعجزات، فيصبحون مستعدين للموت بكل رضا وسعادة, فهم موقنون أنهم إذا ماتوا سينتقلون إلى مكان أفضل وإلى نعيم مقيم، فالموت عندهم بلا مبالغة أفضل من الحياة، وهذه كمثلها من باقي الأفكار سلاح ذو حدين.

لأنك ستجد من يُعلي منه هذا الإيمان ويجعله شخصًا أفضل وأكثر تسامحًا ورحمة وزهدًا وتواضعًا وأقل تكالبًا على المظاهر المادية الفانية وهذا نموذج ملائكي رائع، وستجد نموذجًا مغايرًا تمامًا وهو النموذج المتطرف, وفي حالة المتطرف يكون الإيمان وبالًا عليه وعلى الجميع.

كيف ستتعامل مع شخص يجد في قتلك وسيلة لدخول الجنة؟

ويجد أن ذبحك بسبب اختلافك معه أسمى أمانيه؟ للأسف الشديد هؤلاء لا تنفع معهم المناقشات أو المراجعات الفكرية إلا في حالات نادرة، ولكن كواجب إنساني إذا أُتيحت فرصة المراجعة لمثل هؤلاء يجب أن تُمنَح الفرصة لهم، ولكن إذا رُفضت الفرصة، فحل هؤلاء المهووسين العزل، سواء بالسجن أو بحربهم بالسلاح للقضاء على هذا الفكر القبيح الذي يستخدم الإيمان بالله غطاءً لجرائم بشعة فقد مرتكبوها إنسانيتهم وحسبوا أنهم بهذا مؤمنون ضامنون للجنة ونعيمها.

أما عن أصدقائنا الذين افتتحت الكلام بالحديث عنهم فأرى أن دعاءهم أمر إيجابي لأن الحمل ثقيل حقًا ولأن اللجوء لله مريح فعلًا، ولكن احذروا التواكل، فالله إن غير قوانين الكون من أجلكم لن يصبح عادلًا، وحاشا لله أن يحدث هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد