لطالما رسخت الإمبراطوريات القديمة في الشرق والغرب، على حد سواء، حكمها على مبدأ الحق الإلهي للملوك. وهو مفهوم ديني سياسي يمنح حق الحكم المطلق على أساس ديني محض لا يرقى إلى أدنى درجة من الشك حتى وإن كان صاحب الحكم طاغية وفاسق، ويعتبر العصيان ضد الحاكم ذنبًا ضد الله لا يغتفر.

ظل مفهوم «الحق الإلهي للملوك» سائدًا إلى حدود بدايات القرن العشرين، مع الثورة الفرنسية التي اجتثت جذور حق الإمبراطور في الحكم بناء على مفهوم ديني، وقد دام هذا الصراع قرونا كي يصل الغرب إلى ما وصل إليه اليوم، من ديمقراطية وعدالة إجتماعية وانتزاع حق مساءلة الحاكم وتقديمه للعدالة إن ثبت في حقه تقصير في خدمة الشعب.

في مصر بعد الحراك الأخير يبدو أن نابليون مصر الجديد، السيسي، أراد أن يعيد مصر إلى عصر الظلمات، والقرون الوسطى، عبر الاستنجاد بالكنيسة القبطية لتثبيت حقه كحاكم بأمر الله.

«من جايب السيسي؟ دا من ربنا، من السما، لأنه ليس من سلطان إلا من الله.. ليست الانتخابات بتعتك هي من تفرز الرئيس.. من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله.. عندما اطلع مظاهرة يعني أنا بقاوم مين وضد مين. لا لا علشان كده ما تلاقينيش طالع في مظاهرة.. لأن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله شوف أخطر من كده إييييه.. والمقاومون يؤخذون لأنفسهم دينونة يعني اللي طالع في مظاهرة نهايتو ايه؟ جهنم طبعًا.. لهذا اعلم يا إنسان يا مسيحي: أنت مش بتاع مظاهرة، إنت مش بتاع انقلاب، إنت مش بتاع زفة بتقول ارحل ارحل.. إنت مش بتاع يسقط.. إنت مش بتاع كده. إحنا مش بتاع كده عشان تضمن حياتك الأبدية».

كانت هذه أبرز الجمل التي ركز عليها الأب مكاري يونان في خطابه أمام جموع المسيحيين في الكنيسة القبطية المصرية، محاولًا بذلك إقناع المتدينين من الأقباط بأن التظاهر ضد الحاكم هو خطيئة تودي بصاحبها إلى جهنم وتحرمه حق الحياة الأبدية في جنة الله، الذي وهب السيسي حق حكم أرض الكنانة.

الخطاب الديني الكنسي لتوجيه المؤمنين المسيحيين سياسيًا، يبدو أنه آخر  المحاولات من السيسي الذي نجح في إسقاط الكنيسة القبطية في مستنقع صراعه مع الشعب المصري، وإذكاء نار الخطاب الطائفي الديني، بغية تحييد المسحيين وإبقاء الصراع محصورًا بين الحاكم مع مسلمي مصر، على اعتبار أنهم «كفرة» بحكم السيسي الذي يستمد شرعيته من الله.

هو صراع إذًا من أجل حكم مصر بسيف الدين، والمقصود هنا هو الدين السياسي، وليس سيف الدين قطز الذي انتصر على التتار في معركة عين جالوت، لأن معركة السيسي هي مع الشعب.

وقد لا يقتصر الأمر على عبد الفتاح السيسي كحاكم عربي أراد أن يحكم باسم الدين، ولكن جل المماليك العربية، التي تتوارث العرش، وجدت في الزوايا الدينية مرتعًا خصبًا لتمرير سياستها، وصمام امان لضمان بيعة «الرعية»، وعدم التمرد على نظام الحكم لأن التمرد من وجهة نظر الدين السياسي قد يرقى إلى درجة الكفر. ليست الكنائس وحدها من كان يقوم بهذا الدور لتثببت الحق الإلهي للملوك، ولكن المساجد أيضًا لازالت تتبع ذات الإستراتيجية من خلال خطب صلاة الجمعة الأسبوعية والتي عادة ما تكون موحدة و تتبع السياسة العامة للنظام الحاكم.

تحريم التمرد على السلطان بالنسبة للمسحيين الأقباط، لأنه من وجهة نظر الكنيسة تمرد على الإرادة الإلهية كما فسر ذلك الأب مكاري يونان، متوعدًا المتظاهرين بعقوبة الحرمان من جنة الخلد، يقابلها أيضًا في الإسلام حديث ضعيف بأن «من مات وليس في عنقه بيعة، أي مبايعة السلطان، فقد مات موتة الجاهلية»، أي انه قد حرم نفسه من جنة الخلد أيضًا.

وبالتالي فإن الدين سواء كان إسلاميًا أو مسيحيًا ظل في خدمة السلطان لا في خدمة الشعوب المأمورة بالطاعة والولاء دون مناقشة الحاكم، حتى في عصرنا الحالي.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد