طالما أخبرني بعض الأشخاص بعد علمهم بتخصصي، ألا وهو الدراسات العربية قائلين بنوع من الاستهزاء والتهكم «ما لقيت مادير غي العربية… باغي تولي شاعر» كلام كهذا لأصحابه ينم عن جهل أصحابه بالأهمية الكبرى لفن الشعر، هذه الأخيرة التي تتمثل في: اعتماد الشعر في تفسير القرآن، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا؟ قال شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم». وقال ابن عباس رضي الله عنه في نفس السياق: «إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر فإنه ديوان العرب»، وغيرها من الأقوال الأخرى التي تنم عن أصالة هذا الفن العريق.(1)

وكذلك تتجلى أهمية الشعر في اعتباره كان وسيلة للرد عن الكفار، وكل من سولت له نفسه الإساءة للرسول صلى الله عليه وسلم، أو إلى الإسلام بصفة عامة، عن أنسٍ قال: دخل النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم مكَّةَ في عمرةِ القضاءِ وابنُ رواحةَ بين يدَيْه يقولُ: خلُّوا بني الكفَّارِ عن سبيلِه، اليومَ نضربُكم على تأويلِه، ضربًا يزيلُ الهامَ عن مَقيلِه، ويُذهِلُ الخليلَ عن خليلِه . فقال عمرُ: يا بنَ رواحةَ أ في حرمِ اللهِ وبين يدَيْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم تقولُ هذا الشِّعرَ، فقال: خَلِّ عنه يا عمرُ فوَ الَّذي نفسي بيدِه لكلامُه أشدُّ عليهم من وقْعِ النَّبلِ.

الراوي: أنس بن مالك. المحدث: ابن حجر العسقلاني. المصدر: الإصابة الصفحة أو الرقم: 2/307. خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن.

ففي الجاهلية كما في عصر صدر الإسلام، حضي الشعر بمنزلة رفيعة، ذلك بأن القبيلة كانت تحتفي بالخيل تُولد، وبالغلام يُنجب، وبالشاعر يَنبُغ، إذ كانت تقيم الأفراح والمآدب لذلك، وتتوافد عليها القبائل مهنئة.

كان الشاعر ذا قيمة كبرى عند الجاهلين، إذا هو الناطق باسم القبيلة، المعبر عن همومها وطموحاتها، والمدافع عن شرفها المخلد لمآثرها، يعلي من شأنها عند القبائل ويحط من قدر أعدائها في الأسواق ويشجع محاربيها ويرهب مناويئها.(1)

هذا فيما يتعلق بأهمية الشعر على المستوى الديني.

أما على المستوى الأخلاقي والتربوي، فتتجلى أهمية الشعر في كونه يلعب دورًا بارزًا في إصلاح النفس، وتهذيب السلوك، واستثارة المشاعر الإنسانية، والأحاسيس النبيلة، كما له الفضل في الابتعاد عن الأفعال الخسيسة، والخصال السيئة؛ مما يجعل منه مادة تربوية تعليمية هامة، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «علموا أولادكم الشعر، فإنه يعلمهم مكارم الأخلاق».
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفس السياق: «تحفّظوا الأشعار، وطالعوا الأخبار، فإن الشعر يدعو إلى مكارم الأخلاق، ويُعلّم محاسن الأعمال، ويبعث على جليل الفعال، ويفتق الفطنة، ويشحذ القريحة، وينهى عن الأخلاق الدنيئة، ويزجر عن مواقعة الريب، ويحضّ على معالي الرتب»، وقال معاوية بن أبي سفيان رضي االله عنه: «يجب على الرجل تأديب ولده، والشعر أعلى مراتب الأدب»(2).

كما اعتبر النقّاد الشعر العربي مصدر حكمة وتربية وتهذيب، إذ كان الشاعر يُربّي قومه على الفضيلة، والأخلاق الحميدة، ويزجرهم في الوقت نفسه عن الأفعال الدنيئة؛ فيُقبح البخل ويُشجّع على السخاء، ويُسفّه الجبن ويشدو بالجود، فتشبّ النّفس على الفضيلة، وتسمو في مدارج الرفعة والخير.

والشعراء في ذلك الوقت كانوا يقومون بدور الأساتذة والمُصلحين، يُرشدون الناس بشِعرهم إلى مكارم الأخلاق. وعليه، قال العلويّ: «إنّ الشعراء يحثّون على الأفعال الجميلة، وينهون عن الخلائق الذميمة، فسنّوا سبيل المكارم لطلّابهم، ودلّوا بناة المحامد على أبوابها»، ولارتباط الشعر بالحكمة، فإن الشاعر الذي لا يأتي بالحكمة في شعره لا يُعدّ فحلًا(3).

ولعل من بين الأبيات الشعرية التي تحوي من الحكمة الشيء الكثير هي قصيدة للشافعي: يقول في مطلعها:

إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفًا
فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا

فمثلًا قد تجد صديقًا لك يصطنع الود، فتمتثل حينها لقول الشافعي، فتدعه وشأنه (أي صديقك المصطنع للود) دون أن تكثر عليه التأسُّفا. أما الأهمية النفسية للشعر فتتمثل في ربط النّقاد العرب الذين تغلب نزعتهم الفلسفية والعقلية على الشعر بالغايات الخلقية، مثل: الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، ومَسكوَيه، وحازم القرطاجني، وغيرهم، نجدهم قد تحدّثوا كثيرًا عن تأثير الشعر، وامتداد سلطانه، وصرّحوا بأنّ فيه من التأثير ما يشبه السّحر؛ لأنه فن ممتع لذيذ، يمتلك قِيَمًا جمالية متميزة، وتراحم قد صرّحوا أيضًا بأنّه يثير في النفس المشاعر النبيلة، فيحملها على الطرب، ويُنفّرها من الرذيلة، ثم يتعدي الأمر ليتحوّل هذا الشعر النفسي إلى سلوك عملي ومواقف فعليّة، ولذا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نِعم الهديّة للرجل الشريف الأبيات يقدمها بين يدي الحاجة، يستعطف بها الكريم، ويستنزل بها اللئيم»(4).

صفوة القول إن للشعر دورًا هامًا وبارزًا في مختلف المجالات، وعلى مر العصور «عداه عصره الانحطاط، ذلك أن الشعر شهد كل أشكال الانحطاط والجمود»، وقد اقتصرت في مقالي هذا على أهمية الشعر على أبرز الجوانب فقط، ولم أتطرق للجوانب كلها، ويعزى هذا لكون يصعب تناول أهمية الشعر على الجوانب كلها، لكن لا بأس أني اكتفيت بأهمها. وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد