الزواج هو ذلك الرباط الأبدى المقدس بين قلبين وروحين وجسدين يتحدان معا وينطلقان إلى غمار بحر الحياة الواسع، يبحران نحو غاياتهما باحثين عن  السعادة والمودة والسكن، مستأنسين بالذرية الصالحة ومعتمدين على نوايا طيبة وسعي كريم ورب رحيم، وهذا طريق جل البشر مع اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم، ولكن يبدو أن البحر عميق والأمواج متلاطمة والسفر طويل وشاق، وهناك من ينجو ويصل، وهناك من يغرق أو يرجع، ويحدث ما يخشاه الزوجان وما يخشاه المجتمع! يحدث الطلاق.

وتشير الإحصاءات الاجتماعية  أن نسب الطلاق في السعودية وصلت 21%، وفي الإمارات العربية 44%، وقطر 30%، والكويت 32%، ومدينة الرباط في المملكة المغربية 46%، وفي مصر تسجل 240 حالة طلاق يوميا، أي بمعدل طلاق كل ست دقائق.

زواج أفضى إلى طلاق

لماذا يحدث الطلاق وكيف يمكن قراءة هذه الإحصاءات المفزعة؟

أولا: نحن لا نتعلم لكي نكون أزواجا وزوجات

إذا كان أحدنا يدرس لمدة 20 عاما كي يصبح طبيبا أو محاسبا أو معلما، فكم يدرس ليكون زوجا أو زوجة أو أبا أو أما.

إن هناك حاجة ماسة لمؤسسات متخصصة تقدم برامج تدريبية تعليمية معتمدة ومتخصصة تعلم  للمقبلين على الزواج، والفروق في التفكير بين الرجل والمرأة وما هي حالات النفس البشرية والتغيرات الفسيولوجية التي تمر بها المرأة عدد من الموضوعات الأساسية التي تمثل الحد الأدنى من المعارف اللازمة لإنجاح الزواج.

إن مجتمعاتنا عزيزي القارئ تحتاج إلى عيادات نفسية وسلوكية لمتابعة حديثي الزواج وتوجيههم إلى كيفية التغلب على عقبات الحياة وآلامها وإدارة الخلافات وتعميق الروابط الأسرية وتعزيز الحب والانتماء للأسرة الوليدة.

ثانيا: نحن لا نقرأ لنتغلب على المشكلات الأسرية

إن القراءة هي الطريقة التي نتمكن بها من معرفة معلومات جديدة واكتساب مهارات، إذا أعطي الزوجان نعمة القراءة حتما سيتمكنان من فهم الحياة الزوجية فهما أعمق ويستطيعان التغلب على كثير من مشكلات الحياة ومنعطفاتها (تجدون في نهاية المقال مجموعة من الكتب المفيدة جدا والتي يُنصح بقراءتها لكل زوجين، والتي أجزم عزيزي القارئ أنها ستعالج أغلب المشكلات وتمنع الطلاق بشرط توفر النية الصادقة لدى الزوجين والرغبة في التعلم).

ثالثا: نحتاج لصور جديدة من الزواج

يبدو أن التعبير صادم، ولكن تمهل عزيزي القارئ لنتعرف سويا عما يخفى وراءه هذا التعبير،

نحن جميعا نكاد لا نعرف إلا صورة واحدة للزواج، إنها صورة معهودة ومتكررة حيث الشاب والفتاه الذين يتزوجون في العشرينيات أو الثلاثينيات، والواقع يخبرنا عن أنه في كثير من الأحيان ليس لديهم إلا خبرات محدودة في الحياه والتعامل والتعايش. وأن كون هذه الصورة هي أكثر حالات الزواج انتشارا فعلى الجانب الآخر ليست دوما هي الصورة المثلى والناجحة.

وكون طرفي الأسرة مراهقين أو صغيرين، أو ليس لديهم الصبر والجهد لإكمال المسيرة حتى النهاية، فحتما ستنهار الأسرة بسرعه مع أول عاصفة أوعقبة عابرة.

والآن عزيزي القارئ علينا أن نطرح على أنفسنا عدة أسئلة ونفكر معا في إجاباتها:

  • كون أحد الزوجين أكبر وأعقل وأكثر صبرا وخبره سيرسي أوتاد هذه الأسرة؟ وهل سيعمل جاهدا لإنجاحها واستمراريتها؟ (يخبرنا خبراء الطب النفسي أن الزيجات مع فروق العمر تكون سعيدة وناجحة).

قد يكون الحل الواقعي والملائم هو أن نرى الشاب الصغير يتزوج من تكبره سنا وقدرا؟ لتحتويه وتعلمه وتصبر عليه.

  • وهل تحتاج أن نرى الشابة المتهورة أن تتزوج ممن هو أكبر منها سنا ومقاما ليصبر عليها ويعلمها؟
  • هل نحتاج لأن يدخل المنفصلات والأرامل في معادلة الزواج (كاختيار أول) بما لديهن من مخزون عاطفي هائل وحب للحياة واستعداد للصبر حتى تصل الأسرة لبر الأمان.
  • كيف ينظر المجتمع الآن للرجل المطلق والأرمل؟

المجتمع ليس لديه إلا قالب واحد للزواج وهذا القالب لا يصلح للجميع

وللتقريب إليكم المثال التالي*:

  • عزة كانت وما زالت تلك الشابة الجميلة المثقفة ذات المكانة الاجتماعية والحضور العائلي القوي ونشأت في بيت هو بمثابة القلب من عائلتها الكبيرة والتي تتميز بالترابط الأسري والعلاقات الاجتماعية القوية والزخم والدفئ والحركة، وعزة هي قلب تلك الأسرة، فأبواها لا يقطعان أمرا إلا بمشورتها، وأخواتها وإخوانها يكنون لها كل التقدير، ويرجعون إليها في أغلب شؤونهم. ويعمر بيتهم مساء كل خميس ببنات العائلة جميعا. تقدم للزواج منها كمال شاب مثالي وسيم وخلوق، يعمل بوظيفة مرموقة بالسلك الدبلوماسي وقد التحق بعمله مؤخرا بعاصمة أوروبية.

تزوجت عزه وغادرت مع كمال وبعد ستة أشهر رجعت عزة فجاة إلى بيت أبيها!

التفسير وللأسف عزيزي القارئ هذه الزيجة المثالية من هذا الشاب المثالي، لأنه ببساطة اقتلعها من محيطها الاجتماعي لتقيم في عاصمة أوروبية بعيدة. إن كثير من النساء يتأثرن سلبا بترك بلادهن والسفر، أو حتى بترك بيت أسرتها، هولاء يجب أن ينظر إليهن بعين الاعتبار، وهنا يكون زواج الأقارب المقيمين بصفة دائمة بالقرب منهم، حلا ناجعا ومفيدا. إنه زواج في كنف العائلة ودفئها وزخمها.

  • والشاب قليل الخبرة، قليل الصبر، قد تنجح معه إنسانة منفصلة أو أرملة أوأكبر منه سنًا ستصبر عليه وتتعامل معه بحب وحرص، ولن تبادله الثورات والمشاجرات والانفجارات بل ستحاول أن تطفئ هذه الحرائق، وتحاول أن تحمي بيتها وتتجاوز العواصف إلى أن تهدأ.
  • وهل يعقل عزيزي القارئ أن المرأة التي تعمل باحثة أومديرة ويتطلب عملها أوقاتًا كثيرة خارج البيت وترجع إلى بيتها في الرابعة أوالسادسة أن تتزوج من رجل يرجع من دوامه الثانية عشر ظهرًا أم أن الأفضل أن تتزوج ممن يعمل في مجال السفر والطيران؟!

رابعا: التعدد

يجب أن ينظر للتعدد على أنه صمام أمان للأسر المشتتة الممزقة، التي تعاني من الخلافات والاضطرابات، وأن يبذل المجتمع ما في وسعه لتغيير الصورة الذهنية السيئة عن التعدد ويعمل جاهدا على تقبله كحل مشروع ومقدر لمشكلات كثيرة.

أن زواج الزوج بأخرى بدون طلاق الزوجة (كما تصر هي في غالب الأحيان) هو في أغلب الأحيان أفضل من زواج الزوج بعد طلاقها وانهدام البيت، وما يتبعه من آثار سيئة على الأبناء، حيث يعطى التعدد الطرفان فرصة للمقارنة والمراجعة والتصحيح، وكثير من الأسر المشتتة المتهدمة التأمت وتجمعت بعد زواج الزوج بزوجة ثانية.

خامسا: إعادة التأهيل والالتئام

ربما يكون الطلاق درسا قاسيا يقف عنده الطرفان ليدرسا تجربتهما بحكمة وعمق وبعيدا عن الحنق وشعور الانتقام، فيكمل كل منهم نقصه ويواجه نفسه بعيوبه ويتدارك ما فاته من علم وقراءة واستشارة، وأن تقوم دور الاستشارات العائلية بدور في إعادة بناء الأسرة ولم الشمل والالتئام من جديد، وأن يتم تخصيص عيادات متخصصة لإعادة التأهيل للأزواج المنفصلين في محاولة للم الشمل واستعادة الأسرة من جديد.

أيها السادة الأعزاء، إن مجتمعا يضع مراهقين في بيت واحد تحت راية الزواج فيتعاركان بعد أسبوع على من له حق إمساك ريموت التلفزيون وينفصلان بعد شهر، إنه لمجتمع يجب أن يقف ويفكر في جنايته على هولاء المساكين.

الزواج رباط مقدس مؤبد لا يصلح معه تهور ولا اندفاع، ويستحق التكريم والتقديس والاحترام، وإنه يجب علينا جميعا أن نغير طريقة تصرفنا وطريقة تفكيرنا حتى تتغير النتائج وتنخفض نسب الطلاق المخيفة، وإذا لم نهتم ونبذل وندرك كيف نقي أنفسنا من هذه الأمراض الخطيرة فحتما سنهتم ونبذل الكثير وندفع الثمن غاليا في علاجها وعلاج آثارها المدمرة، وهذا فقط لأننا نسينا الحكمة القائلة: الوقايه خير من العلاج.
________________________________________________________________________________________________

هوامش: الأمثلة توضيحيه وليست مسلمات أو قواعد ثابتة

 

الإحصائيات: مقال تزايد نسب الطلاق بالعالم العربي يهدد الاستقرار الاجتماعي  الجزيرة نت

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد