فضيلة الشيخ! عندي سؤال:

تزوج زوجي عليّ، وعدل بيني وبين زوجته الأخرى في المال والوقت. لكني أشعر بضرر رغم هذا، لأنه بعد أن كان يقضي معي الشهر كله، صار يقضي معي نصفه فقط، فأصبحت أفتقده، وأفتقد شعوري بالأمان في غيابه، لا أحب أن أتناول الغداء وحدي، ولا أن أشاهد التلفاز وحدي، ولا أن يأتيني يوماً ورائحة عطرها تغمره، فهذه الغيرة ترهقني. لقد أخل هو بعلاقتنا: فجاء بأخرى وخصم من وقته معي وأعطاه لها، وتسبب لي بمشاعر سلبية عديدة، وقد سئمت من هذا وأريد أن أطلب الطلاق منه!

أجابها الشيخ: بإجماع العلماء، ما دام زوجك يعدل بينك وبين زوجته الأخرى في الوقت والإنفاق والحقوق الشرعية فلا يحق لك طلب الطلاق. وأما الغيرة والخصم من وقتك وهذه المشاعر السلبية فهي ضرر غير معتبر في الشرع، ولا يحق لك استخدامها كحجة في طلب الطلاق، وعليك أن تصبري وتتحملي. أو أن تردي له المهر الذي دفعه لك وتخلعيه!

قالت: يعني يتزوج عليّ ويسبب لي كل هذا الضرر، ثم أرد له ماله ليستمتع به معها؟ هل هذا عدل؟ قال: لأن الشرع أعطى للزوج ميزة التعدد، فكيف تجبرينه أن يطلقك ويدفع لك إن تزوج عليك؟ هل يدفع الرجل مقابل ميزة أعطاها الشرع له؟ إن لم يعجبك التعدد فادفعي له مهره وارحلي!

تبريرات

تبدو قضية تعدد الزوجات في الإسلام هي القضية الأكثر جدلاً عندما نتحدث عن حقوق المرأة في الإسلام، وتبدو الآراء التي تدافع عن هذا التشريع وتبرره ركيكة للغاية ويسهل دحضها.

 

(1)

التبرير الأشهر هو زيادة عدد الرجال عن عدد النساء؛ لأن عدداً كبيراً من الرجال يهلك في أوقات الحروب، ويستدل دوماً بما حدث بعد الحرب العالمية الثانية من نقص كبير في عدد الرجال أدى لانتشار “الفاحشة” في بعض المجتمعات. والحقيقة، إن التعدد يبدو حلا جيدا لهذه الأزمة الطارئة. لكن التعدد لم تتم إباحته في حالة نقص عدد الرجال عن عدد النساء فقط، بل هو مباح في كل زمان ولو كان عدد الرجال أكثر من عدد النساء، كما هي نسبة العالم إحصاء عام ٢٠١٠م (١)*.

 

وينادي البعض بالتعدد في زمن الثورات والانقلابات الحالي انصافاً لزوجات الشهداء، لكن غالبيتهم لا يكلف نفسه البحث عن أعزب أو أرمل أو مطلق ليتزوج من أرملة شهيد، لأنه لو كان فعلاً يسعى لإنصافها لأدرك أن هذا أفضل لها من أن تصبح زوجة ثانية.

 

(2)

التبرير الثاني، هو أن التعدد قد شُرع لاعتبار أن الزوجة قد تعاني من مشكلة كعدم القدرة على الإنجاب مثلاً، وبالتالي يصبح التعدد مبرراً ومفهوماً وقتها؛ لأن فرصتها في الزواج من آخر تتضاءل. وبغض النظر إن كانت فرصتها تتضاءل فعلاً أم لا، لأن هناك من الرجال من لا يرغب في الإنجاب، أو أنجب بالفعل وتوفيت زوجته أو طلقها ولا يرغب في إنجاب المزيد. بغض النظر عن كل هذا، فإننا سنصطدم بنفس المشكلة، وهي أن التعدد مباح بلا شروط. فلم يأت مشروطاً بعقم الزوجة أو مرضها. بل إن التعدد مباح حتى للرجل العقيم الذي رضيت زوجته بعقمه وفضلت الاستمرار معه على الارتباط بآخر تنجب منه.

 

(3)

اعتبار أن الله خلق في بعض الرجال حب الاقتران بأكثر من امرأة، وبالتالي فإن الزواج من أخرى أفضل لهم من الوقوع في الزنا.

 

 

وفي هذا الرأي مشكلتان:
الأولى: أنه يتجاهل المرأة تماماً، فلو افترضنا صحة أن بعض الرجال يميلون لأكثر من امرأة في نفس الوقت، فإن المرأة تميل بطبعها للحفاظ على زوجها، وعدم مشاركة امرأة أخرى فيه. فلماذا نفترض أن الشرع جاء ليلبي رغبات بعض الرجال وطباعه، ويتجاهل تماماً رغبات المرأة؟

والثانية: أنه يعتبر أن الشرع جاء لتلبية رغبات الناس، وليس لتنظيمها وتوجيهها، فإن كانت هناك نسبة من الرجال فعلاً تميل للحياة مع أكثر من امرأة، فهناك كذلك نسبة من الرجال ترغب مثلاً في الشذوذ، وهناك نسبة من النساء ترغب في التعدد والاقتران بأكثر من رجل. فإذا كان التشريع يأتي لتلبية الرغبات، فلماذا لم يلب رغبات البعض ويسمح لهم بالشذوذ مثلاً؟ ذلك لأن الشرع لم يأت لتلبية الرغبات، بل جاء لتنظيم حياة الناس وكبح جماح رغباتهم أحياناً لما فيه صالح المجتمع. وبالتالي فإن منطق أن الإسلام جاء لتلبية رغبات بعض الرجال لا يستقيم من الأساس!

الحكمة التائهة

السؤال إذن هو لماذا سُمح بالتعدد دون شروط؟ هناك حكمة تائهة في هذا التشريع نحاول البحث عنها ولا نجدها، ويبدو التشريع في غيابها دون وجاهة معتبرة. ويعاني المسلمون كثيراً في تبرير هذا التشريع لغير المسلمين. بعد فترة أدركت أن هناك جانباً كاملاً نغفله، وهو الحق الذي كفله الشرع للزوجة كرد فعل إذا قرر زوجها التعدد؟ يعني كيف ستتصرف الزوجة إن تزوج عليها زوجها؟
في الغالب تبدأ العلاقات الزوجية بالحب، وتستمر العلاقة بشكل صحي وسليم ويحاول الزوجان تجاوز العقبات. لكن في بعض الأوقات تفتر هذه العلاقة وتبهت ويصبح استمرارها محل شك.

عندها يأتي وقت الانفصال، إن أراد الزوج الانفصال فإن عليه أن يطلق زوجته ويعطيها حقوقها. وإن قررت الزوجة الانفصال فإنها تخلع زوجها وترد له مهره.

لو افترضنا أن الإسلام شرع الطلاق والخلع ولم يشرع التعدد، فإن الرجل إن أحب امرأة أخرى وأراد أن يتزوجها فإن عليه أن يطلق زوجته أولاً.

لكن ماذا لو كانت زوجته ستتضرر بشدة من هذا الطلاق؟

 

ستتضرر لأسباب عديدة، مثل رغبتهما المشتركة في تربية الأبناء في وجود أب وأم غير منفصلين. أو لسبب يخص الزوجة أنها كبرت في السن وتشعر أن فرصتها في العثور على زوج صارت محدودة وهي لا ترغب أن تعيش وحيدة. أو أنها لن تستطيع أن تنفق على نفسها لأنها لم تعمل من قبل وأهلها سيرفضون الإنفاق عليها. أو حتى لأنها ما زالت تحبه.
ما الحل وقتها؟

 

لو أجبرنا الزوج على الاستمرار معها وعدم زواجه من أخرى فإن هذا ظلم له، لأن الحب يبهت أحياناً، ولأن الاستمرار ليس دائماً الحل السعيد. وقد رأينا في حالات عديدة كيف أن الزواج الكاثوليكي ليس حلاً مناسباً.

بالتالي، قدم الإسلام حلاً لهذه المعضلة وهو حل التعدد. أن تبقى الزوجة التي ستتضرر من الطلاق على ذمة زوجها، ويُسمح له بالزواج من أخرى مع اشتراط العدل بينهما.

صحيح أنه سيقع عليها ضرر كبير، من ناحية خصم وقتها وإعطائه لأخرى، ومن ناحية مشاعر الغيرة والوحدة والألم النفسي. لكنها هي من اختارت هذا الحل بديلاً للطلاق، لأنها ترى أن الطلاق فيه ضرر أكبر.

 

 

لكن النقطة المفصلية هي: ماذا لو كانت الزوجة تفضل الطلاق على التعدد؟
من المنطقي إذن أن تحصل على ما تريد. لأن التعدد بالنسبة لها ضرر شديد واقع عليها بينما الطلاق ضرر أخف. وبالتالي مادام الزوج قرر الزواج من أخرى وهي لا تقبل هذا الوضع الذي يضرها، فيجب أن يطلقها. ولهذا، كما في الحديث الشريف الذي صححه الألباني: أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة.
والبأس هو الضرر، والزواج من أخرى في حد ذاته ضرر حتى لو عدل الزوج بينهما، وذلك بسبب خصم وقتها وللمشاعر السلبية التي تعاني منها. وبالتالي بنص الحديث، من حق الزوجة طلب الطلاق إن تزوج زوجها عليها، وبالتالي على القاضي أن يطلقها. هكذا يمكن فهم التعدد وتقبله بل واعتباره فكرة جيدة. فالزوجة إن قرر زوجها الزواج عليها لها حق طلب الطلاق والحصول علي مستحقاتها لوقوع الضرر. أو لها حق الاستمرار إن كانت لا تريد الطلاق لأسباب تخصها. وبالتالي هو اختيار للزوجة لها الحق في قبوله والاستمرار، أو في رفضه وطلب الطلاق ولا يوجد فيه إجبار عليها،لكن الأمور ليست بهذه البساطة التي نتصورها.

مفاجأة

هل يعجبكم هذا التفسير لمسألة التعدد؟ هل تشعرون أنه أقرب للعدل؟ حسناً، إليكم المفاجأة!

الفقهاء قديماً وحديثاً أجمعوا على عدم حق الزوجة في طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها، بل اعتبروه حراماً، وتجاهلوا تماماً كل هذا الضرر الواقع عليها، واعتبروه، بمنطق فقهي، ضرر غير معتبر ولا قيمة له، وطلبوا من الزوجة التي يتزوج عليها زوجها أن تصبر وتحتمل. أو أن ترد له المهر وتخلعه. (٢)*

سر الأزمة

يعتبر الفقهاء أن الشرع أعطى ميزة للرجل، لم يعطها للمرأة وهي ميزة التعدد. وبالتالي فلا يمكن أن نحرم الرجل من هذه الميزة، وبالتالي فالضرر المترتب على هذه الميزة غير معتبر. يعني خصم وقت المرأة ومشاعرها السلبية كالوحدة والغيرة هي أمور غير معتبرة أصلاً. ومنطقهم أن الله لن يشرع شيئاً فيه ضرر. فالصوم مثلاً يجعل الإنسان يعاني من الجوع والعطش، فهذا ضرر غير معتبر. كذلك ما تعانية الزوجة في حالة التعدد هو ضرر غير معتبر.

لو وصلت حالة الصائم للهلاك، فأصبحت حياته في خطر، يمكن عندها إعطاؤه رخصه ليفطر. كذلك الزوجة لو أتت بشهادة طبية مثلاً تفيد أنها أصيبت بمرض نفسي أو ستموت، عندها يمكن إعطاؤها رخصة وتطليقها.

فيمكن تطليق الزوجة إذن إن مرضت أو جنت أو ماتت. أما الحزن الكبير فلا قيمة له مادام الزوج يعدل بينهما. (٣)* طبعاً لو لم يعدل الزوج بينهما وأهملها أو لم ينفق عليها أو ضربها فلها حق الطلاق، لكننا نتحدث عن التعدد في حدا ذاته وما يسببه من ضرر مادي ونفسي حتى لو كان الزوج عادلاً.

 

هل يمكن أن ينتج ضرر عن شيء أباحه الله؟

 

من المقبول طبعاً التسليم بأن تشريعات الله فيها خير لمصلحة العباد، وأن الاعتقاد بأنها ضارة يعني الإدعاء بأن الله غير قادر علي التشريع. لكن هناك نقطة غائبة !

تعامل الشرع مع العلاقة بين الرجل والمرأة بتشريعات متعددة تتكامل جميعها، ولا يمكن عزل أحدها عن الآخر. فكل تشريع لوحده ليس كاملاً، لكن التشريعات كلها متكاملة، مثلاً: هل الطلاق تشريع عادل؟
لو شرع الإسلام الطلاق فقط، فالطلاق تشريع ظالم. لأنه يعطي الرجل حق الانفصال وقتما يريد، ولا يعطي الزوجة هذا الحق. أي أنه يجعل الزوج متحكما في زوجته تماماً، لكن عندما نعلم أن هناك تشريع آخر اسمه الخُلع، يعطي الزوجة هذا الحق، فإن الصورة الكاملة تصبح أكثر عدلاً.

كذلك، هل التعدد تشريع عادل؟ بالطبع لا. هناك رجل من حقه التمتع بأكثر من زوجة، والزوجة تُجبر على قبول الأمر رغم الضرر الواقع عليها، لكن عندما نعلم أن هناك تشريع يعطي للزوجة حق طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها، أو أن تستمر إن أرادت، مراعاة لظروفها، فإن هذا يجعل الصورة الكاملة أكثر عدلاً ورحمة ورأفة.

لكن اعتبار أن التعدد وحده عادل، وبالتالي حرمان المرأة من حق طلب الطلاق، يجعل الصورة الكاملة غير عادلة ومحيرة بشدة.

يمكن تقريب الصورة بهذا المثل: عندما تنظر إلى وجه إنسان جميل فإن مكونات وجهه كالعيون والأنف والشفاه والجبهة تبدو متناسقة مع بعضها البعض، وهذا التناسق هو سر الجمال، لكنك لو فصلت الأنف مثلاً عن بقية الوجه وتأملتها ستجدها ليست بنفس مقدار جمالها عندما كانت جزءاً متكاملاً مع بقية أجزاء الوجه. بل ربما تجدها قبيحة، غليظة أو رفيعة.

فمهما حاولت أن تقنع الناس أن هذه الأنف وحدها جميلة للغاية لن يقتنعوا؛ لأنهم يرون بأنفسهم قبحها، لكنك إن وضعتها في مكانها في الوجه لأصبح من السهل إقناع الناس أن الوجه كله جميل. ولذلك، عندما يقول بعض الفقهاء إن الزوجة كانت تعلم قبل زواجها إن زوجها له حق التعدد في الشرع وقد رضيت بهذا، وبالتالي لا يحق لها الاعتراض إن فعل. فإننا نقول إن الزوج أيضاً كان يعلم قبل الزواج إن زوجته لها حق طلب الطلاق والحصول على حقوقها إن تزوج عليها، وقد رضي بهذا. وبهذا يصبح التشريع عادلاً ومتوازناً.

الخُلع

لماذا التصميم على إعطاء الزوجة حق طلب الطلاق والحصول على مستحقاتها، ولا يتم الاكتفاء بحقها في الخلع؟ والحقيقة أن هناك مشكلتين في هذا الأمر:
أولاً:
في حالة الطلاق فإن الزوج قرر أنه لن يحتمل الاستمرار وسيدفع تكاليف هذا القرار. وفي حالة الخلع فإن الزوجة هي من قررت أنها لن تستمر وستدفع تكاليف هذا القرار. وعليه فإن كل من يقرر أن يُخل بشكل العلاقة عليه أن يتحمل تكاليف قراره.

في التعدد، الزوج هو من أخل بالعلاقة، وقرر إضافة طرف ثالث أضر بزوجته كما وضحنا. وبالتالي هو من أحدث الضرر وعليه أن يتحمل تكاليفه.

يتعلل بعض الرجال مثلاً أن الرجل تزوج على زوجته لأن طباعها سيئة، نكدية مثلاً. وبغض النظر إن كان هو يعتقد أنه ملاك من السماء، فإن المنطق يقول إنك ما دمت لا تتحمل شخصية زوجتك فهذا ليس ذنبها، بل هو مشكلة أنت تسببت بها عندما لم تختر من البداية زوجة تناسبك.

ما يحدث في الواقع أن الزوج يشتكي من طباع زوجته ثم يتزوج من أخرى. ولما ترفض زوجته هذا الوضع وتطلب الطلاق يعلن أنه لن يطلقها وأنها لا تملك حق طلب الطلاق، وإن لم يعجبها الوضع فلترد له المهر وتخلعه. فكأنها تدفع له مالاً لأنه لم يحبها.
ثم ماذا لو كان هو الشخص ذو الطباع السيئة، نكدي مثلاً. على الزوجة إذن لكي تتخلص منه أن تخلعه. وبالتالي فإن الزوجة ستدفع في الحالتين. إن كانت هي النكدية أو إن كان هو النكدي. هل هذا منطق يستقيم؟

ثانياً:

وهذا يظهر كثيراً في المجتمعات الشرقية. أن الرجل يؤكد دوماً على ضرورة عمل المرأة بالبيت وتربية الأولاد وترك الاحتكاك بالحياة، ويستدل بتأويلات نصوص دينية على هذا.

هكذا في المجتمعات المتوسطة والفقيرة، عندما يقرر الرجل الزواج من أخرى، تجد زوجته الأولى نفسها مضطرة أن تقبل التعدد. فهي لا تملك مالاً لتخلعه لأنها لا تملك أي مصدر للدخل. وأهلها لن يتحملوا مصاريفها وسيقنعونها بالاستمرار والقبول والصبر. في حين أنها لو حصلت على الطلاق فإنها ستحصل على بعض المال الذي سيساعدها قليلاً في مرحلة ما بعد الطلاق. نعم لن يخفف هذا كثيراً من معاناتها في مجتمع لا يعامل المطلقات باحترام، لكن على الأقل سيكون لها حق الاختيار بين ضرر أكبر وضرر أقل. وربما عندما تقوم الحكومات في بلادنا بدورها وكفالة من لا دخل له، فإن الأمر سيصبح أسهل كثيراً بالنسبة لها.

اشتراط عدم التعدد في عقد الزواج

أجاز الحنابلة، دون بقية المذاهب، وضع شرط يمنع التعدد في عقد الزواج نفسه، بحيث إذا تزوج الزوج بأخرى يحق للزوجة طلب الطلاق والحصول عليه.

اختلف الفقهاء حول أحقية الزوجة في وضع هذه الشرط لأن بعضهم اعتبره شرطاً يقيد المباح ويمنع الميزة التي التي أعطاها الله للرجل من وجهة نظرهم. لكن لا تمانع قوانين معظم الدول حالياً في وضع هذا الشرط في عقد الزواج.

يحل هذا الشرط مشكلة الظلم في التعدد، لأنه يمنع الرجل من إجبار الزوجة على الاستمرار ويلزمه حقوقها كاملة. ويبدو واضحاً من منطق هذا المذهب أن المباح يمكن تقييده بما تراه الزوجة في صالحها ويبعد عنها الضرر. وبالتالي فهذا الشرط فيه اعتراف ضمني غير صريح أن ما يبيحه الله قد ينتج عن ضرر فيحق لنا تقييده.

 

لكن السؤال هو: كم زوجة من ملايين الزوجات حالياً تعرف أنه كان يحق لها أن تشترط هذا في عقد الزواج؟!

 

 

المعروف أن العدد بالفعل قليل. عدد كبير من النساء يتم إجبارهن على الرضا بالتعدد حالياً رغم كل المعاناة التي يشعرن بها. ولو طلبت إحداهن الطلاق سيقولون لها: لا يحق لك لأنك لم تشترطي في عقد الزواج من البداية. ولو أقسمت إنها لم تكن تعرف فلن يهتم بكلامها أحد، لدينا إذن مشكلة كبيرة، لن تحل بهذه الطريقة !

لكن حتى وضع هذا الشرط لا يجعل التشريع عادلاً، لأنه يفترض أن الأساس في الزواج أن الرجل يحق له التعدد والزوجة لا يحق لها طلب الطلاق وتُجبر على الاستمرار. وبالتالي فالأساس نفسه ظالم، وقد تم وضع شرط استثنائي لمحاولة منع هذا الظلم.

أما اعتبار أن الأساس في الزواج هو أن للزوجة حق طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها، يجعل العلاقة في الأساس عادلة، لا يتم فيها إجبار المرأة على الاستمرار كرها، ولا يمنح الرجل ميزة إضافية غير مبررة. سيقول من لا يرغبون بإعطاء الزوجة هذا الحق، إن الحكم يبنى على العلة لا الحكمة، وإننا لا نعلم حكمة التعدد ولكننا نثق في عدل الله وعلينا أن نلتزم بتشريعاته حتى لو كانت تبدو ظالمة وغير مبررة.

عندها تسأل: هل الله هو من منع الزوجة من حق طلب الطلاق؟ أم الفقهاء ـ الذين هم مجرد بشرـ والذين وضعوا قواعد ومفاهيم جعلت من الضرر المذكور في حديث النبي ضرراً غير معتبر؟ إننا لا نطلب تعطيل الشرع، بل نطالب بتطبيقه كما ينبغي ! نحسب الفقهاء على خير ولهم أجر المجتهد، لكن منع الزوجة من هذا الحق، في هذا الزمن تحديداً، قد أغرق المجتمع في مشاكل اجتماعية كبيرة لم يستطع الخروج منها، وشكك كثيراً من الناس في عدل هذا الدين !

ألا يستوجب هذا قليلاً من المراجعة الحقيقية؟

 
ملحوظة:
مرفق بحث أعده د.سامي نجم دكتور الفلسفة الإسلامية واليونانية، والواعظ بمنطقة وعظ الاسكندرية ولجنة الفتوى بالأزهر، عن فتاوى المذاهب الفقهية قديمة وحديثاً حول أحقية الزوجة في طلب الطلاق إن تزوج عليها زوجها. وفيه يمكن مراجعة هذه الفتاوى من مصادرها المختلفة.

رابط البحث

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد