كثيرًا ما تسبب «التلفظ بالطلاق» في هدم الأُسر وتفتيت الوحدة الاجتماعية. ومع أن الطلاق في الأصل مسؤلية فردية شرعية إلا أن تحقيقه – شكليًّا – في الدولة بين الزوجين ينبغي أن يُراعى فيه عرف الدولة وحال المجتمع. وبما أن ظاهرة التلفظ بالطلاق – المُـفجعة – قد أضرت بالمجتمع حديثًا؛ وذلك لاستنادها إلى أمور هزلية تدعو للتلفظ بألفاظ الطلاق وكأنها لعبة في أيدي هؤلاء الرجال الذين لا يقدِّرون عاقبة ما تتفوه به ألسنتهم، كونهم رجالًا مؤاخذين بما ينطقون!

حاول الكثير من المصلحين إيجاد طريقة للحد من هذه الظاهرة التي تتسم بالصبيانية وعدم الرشد، وكان من بين هؤلاء الأستاذ الإمام محمد عبده – رحمه الله تعالى – حيث إنه اجتهد في وضع نظام يضبط ويُقنن مسألة «التلفظ بالطلاق» في الدولة، يقوم هذا النظام على أسس متينة وشروط رصينة. فقد انطلق الاستاذ الإمام – رحمه الله – في وجهته من قول الله، عز وجل: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا» ، «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا»، «وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا».

وما جاء في الحديث: «أبغض الحلال عند الله الطلاق».

ذهب الإمام إلى أن الطلاق عمل يقصد به رفع قيد الزواج، وليس مجرد لفظ يُقال؛ لأن اللفظ دليل على النية، وما دام الطلاق عملًا شرعيًّا يترتب عليه حقوق وأحكام مدنية كالنسب، والميراث، والنفقة، والزواج. فينبغي أن يُحكم في الدولة بنظام منضبط، وليس بمجرد التلفظ «غير العاقل» بالطلاق. وقد احتج الاستاذ الإمام على ذلك بقوله: «نحن في زمان أَلفَ رجال فيه الهذر بألفاظ الطلاق، فجعلوا عصم نسائهم كأنها لعب في أيديهم يتصرفون فيها كيف يشاؤون ولا يرعون للشرع حرمة ولا للعشرة حقًّا. فمع ظهور الفساد في الأخلاق والضعف في العقول، وعدم المبالاة بالمقاصد، فلم لا يجوز أن يؤخذ بقول بعض الأئمة من أن الاستشهاد شرط في صحة الطلاق، كما هو شرط في صحة الزواج، كما تُشير الآية في سورة الطلاق التي جاء في آخرها (وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)؟

أليس هذا أمرًا صريحًا بالاستشهاد؟ واعتبار ذلك ركنًا بدونه لا يكون الطلاق الذي يقع الآن بكلمة خرجت عن غير قصد ولا رويَّة في وقت غضب صحيحًا. نظن أن فى الأخذ بهذا الحكم موافقة لآية من كتاب الله ورعاية لمصالح الناس، وما يدرينا أن الله سبحانه وتعالى قد اطلع على ما تصل إليه الأمة في زمان كزماننا هذا، فأنزل تلك الآية الكريمة لتكون نظامًا نرجع إليه عند الحاجة كما هو شأننا اليوم.

ثم يضع الاستاذ الإمام خمس قواعد على هيئة مواد قانونية يُقام عليها نظام الطلاق، يبدأها بـ1: الحضور أمام القاضي أو المأذون والإخبار بسبب الشقاق بين الزوجين.

2: يجب على القاضي تذكير الزوج بتبعات هذا الأمر، وإرشاده إلى محظورية الطلاق إلا للضرورة القصوى. ثم يأمره أن يتروى مدة أسبوع.

3: بعد مضي الأسبوع مع وجود الإصرار على الطلاق يبعث القاضي حكمًا من أهل الزوج وحكمًا من أهل الزوجة أو عدلين أجانب ليصلحا بينهما.

4: إن لم ينجح الحكمان في الإصلاح بين الزوجين فعليهما بتقديم تقرير للقاضي أو المأذون، وعندئذ يأذن المأذون للزوج في الطلاق.

5: لا يصح الطلاق إلا إذا وقع أمام القاضي أو المأذون، وبحضور شاهدين، ولا يقبل إلا بوثيقة رسمية.

لكن هل هناك ما يمنع الطلاق على هذه الصورة شرعيًّا؟

لقد قرر الشرع أن الطلاق مسئولية فردية، وهو عمل شرعي تترتب عليه حقوق. فإذا نُظِّم هذا العمل بقانون منضبط يُراعي الحقوق والمقاصد العامة للاستقرار، كان ذلك أحرى أن يكون اتباعًا للشرع حفاظًا على الوحدة والاستقرار. فلا يوجد عائق شرعي لتنظيم الطلاق على هذا الشكل في المجتمع؛ بل إن الضرورة الاجتماعية والمقاصد الكلية للدين يحثان على تنظيم وتقنين مثل هذه الأمور.

ولا يعيب أحد على مجتهد يُراعي مقاصد الدين وأصوله في تقنيين الشكل العام لبعض الأحكام الشرعية المُقامة على العرف الاجتماعي تطبيقًا. لهذا نتفق مع الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله تعالى في قوله: « لا يمكنني أن أفهم أن الطلاق يقع بكلمة لمجرد التلفظ بها مهما كانت صريحة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد