تحررت مدينة إدلب في ظروف عربية أفضل من غيرها منذ بدء عاصفة الحزم ضد الحوثيين في اليمن، ويمكننا القول إنها تحولات في الوعي العربي، الوعي الذي رأت إيران أنّه مفقود منذ بداية الربيع العربي في تونس، فوقفت أنظمة العرب ضد رياحه، بل وأشعلت ثورات مضادة أعاقت نمو زهوره الضعيفة، فموّلت انقلاب مصر، ودعمت نداء تونس، ساهمت عبر المبادرة الخليجية باحتلال الحوثيين لصنعاء ونصف اليمن، ودعمت انقلاب حفتر في ليبيا، ولا شك أنّها زادت من تفكك الثوار السوريين والمعارضة بالتمويل والتسليح المسيس.

كانت إيران والتي تناطح منذ ثلاثين سنة ونيف في بناء إمبراطوريتها الفارسية عبر برنامج تصدير الثورة “الشيعية الصفوية” والمغلفة بالإسلامية، لكن فشل تصدير ثورتها، وجد من وقوف العرب ضد الثورات العربية الفرصة السانحة للانقضاض على عواصم الربيع العربي وسواها، فقد أصبح لها محافظات جديدة خارج الحدود، العراق، سورية، لبنان، اليمن، حتى استيقظ العرب من سُباتهم وتحركوا قبل فوات الأوان وإن بحركات مثقلة وبطيئة للدفاع ولو عن المملكة السعودية في حدودها الجنوبية مع اليمن.

سيطر الثوار على مدينة إدلب بالتوازي مع عاصفة الحزم والتي لها ثقل سياسي، بأن الثورة السورية تملك مركز محافظة، ومن ثم انتقلت في معاركها نحو الثقل الاستراتيجي في الجزء الغربي من مدينة إدلب، حيث مدينة جسر الشغور والتي تعد بوابة الوسط على جبال اللاذقية حيث المعقل الروحي للنظام السوري، الطائفة العلوية، والخزان البشري الذي زج بشبابه وبه ضد الشعب السوري.

كما استطاع الثوار وبفترة قياسية السيطرة على معمل القرميد والذي كان يمطر إدلب وقراها بقذائف المدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، وهم يتابعون معاركهم حتى يصلوا نحو حماة، حيث بدأوا فور تحريرهم لجسر الشغور بالانتقال نحو سهل الغاب والذي يطل على البوابة الأخرى للساحل حيث المدينة الأكثر انحيازًا له وهي مدينة طرطوس والتي فقدت عشرات الآلاف من شبابها دفاعًا عن بشار الأسد حيث يهتفون وهم يشيعون قتلاهم نحو القبور “بالروح بالدم نفديك يا بشار”.

كل المؤشرات اليوم تزيد من أمل السوريين بتحقيق العدالة، لا يعني أنّ الخلاص فوري، ولكنه أقرب من ذي قبل، فالمعركة الوجودية التي تقودها إيران وأذنابها في سوريا، والتي تراهن عليها في كل مفاوضاتها الدولية والإقليمية، لم تعد قاتلًا للسوريين كما كانت، بل هي مقتول، مشاريع إيران التي يدفع الدم السوري فواتيرها، حتى أنّ خسارتها لمعركة الجنوب (حوران وريف القنيطرة وريف دمشق) الممثل بالحرس الثوري وحزب الله والمرتزقة الشيشان والأفغان والباكستانيين الشيعة باءت بالخسران والاندحار، وهي انتصارات متتالية، ما جعل معنويات الجيش السوري والشبيحة منهارة، فتهرب بشكل جماعي من معارك جسر الشغور وقرى إدلب وتبرر على أنّها انسحابات تكتيكة ستعود على أثرها، ولكن الواقع ينبأ بتكتيك الثوار نحو مدن جديدة.

حزب الله والذي أوغل في دماء السوريين يشيع قتلاه بشكل يومي في الضاحية الجنوبية، قتلاه الذين أرسلوا مددًا معنويًّا على الأقل للشبيحة العلويين في ريف اللاذقية، ولأنهم أكثر تدريبًا ولياقة عسكرية في خوض معارك العصابات وحرب الشوارع، فقتلوا وعادوا بالتوابيت الصفراء.

حركت معارك إدلب إذًا من المياه الراكدة للثورة السورية، وأثبتت همة السوريين أنهم قادرون على التحرير، ولكن معوقات دولية وإقليمية – منها عربية- منعت من تقدمهم وإيقافهم آلة القتل العسكرية، والتدمير الممنهج للمدن على رؤوس قاطنيها، واستخدام الغازات السامة كالكلور ضد المدنيين العزل على الخريطة السورية كلها ولا سيما سراقب في الأيام الأخيرة.

معارك إدلب قد تكون بداية نصر، كما أنّ الثورة السورية والتي أوقفت المد الفارسي، وأسقطت الأنظمة الطاغوتية المستبدة والمتوحشة من النفوس، لا بد أنها تعلم السوريين قبل غيرهم الدروس تلو الدروس، في أنّ أي معركة فردية مصيرها الفشل، وأنّ أي معركة لإعلاء كلمة فصيل على آخر لا يعول عليها، بينما نرى جيش الفتح يتقدم بسلاسة وقوة، فقد وحدوا غايتهم ورصاص أسلحتهم لإسقاط من يقتلنا جميعًا وهو ما أزهر في الربيع السوري ولو قليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد