إنَّ الظلم والقهر والتشتت الذي لحق بالعرب السنّة بالعراق وصل للدرجة التي لم يصلها شعب مسلم آخر في تاريخنا الحديث، ولا نريد أن نزايد على مظلومية باقي الشعوب المسلمة بالمنطقة، فهي ليست فخرًا نفتخر به أو مادة جيدة لكي نتسول بها من الآخرين عطفهم أو دراهمهم، ولكن هو تشخيص لمشكلة حقيقية يعاني منها المسلمون في العراق، وصف الشيخ محمد الحسن ولد الددو حالة التمزق السني في العراق قائلًا: «تخلي الكرد عن السنّة العرب، ثم انقسم السنّة بين مجاهدين وسياسيين، ثم انقسم المجاهدون وانقسم السياسيون. وما زال الانقسام مستمرًا حتى الآن».

فقد تخلى الكرد عن هويتهم الحقيقية وانتمائهم الإسلامي إلى هويات مستوردة كَرَدّ فعل على ما فعلته بهم أنظمة الاستبداد السابقة، ليجعلوا السنّة العرب وحدهم يواجهون المحتل الأمريكي وهجمة الصفويين الجدد، وحسِبوا إنَّ الأمان الذي ينعمون بهم الآن بفضل الحماية الغربية لهم، سيبقى إلى الأبد، ولا يدرون أن الغرب يمكنه بيعهم بأي وقت تتضارب مصالحه معهم، ووصل الأمر بهم ليتحول الأكراد في العراق وسوريا وتركيا لجيوشٍ مرتزقة يستفيد منهم الغرب في خدمة أغراضه الجيوسياسية بالمنطقة. وعندما يحين الوقت وتنتهي مصلحته معهم، سيتخلى عنهم كالمنديل المستعمل، هذا ما يحدث في سوريا الآن، وما سيحدث في العراق قريبًا، وحين ذاك لا تنفعهم لا أمريكا ولا إسرائيل.

ثم انقسم السنّة العرب بعد ذلك مرة أخرى بين رافع للسلاح ضد المحتل بدون قيادة سياسية، وبين سياسيين دون يد ضاربة لهم، وبدأ أحدهم يلغي عمل الآخر، ويتنافسون فيما بينهم على تمثيل العرب السنّة، وكم كنا نتمنى أن يكون تنافسهم محمودًا ووديًا، لكن مشاكلهم يتم حلها بالدماء من قبل من يقول على نفسه مجاهدًا ليلوث يديه بدماء أخوته المسلمين. أما السياسيون فقد، بدأوا يتقربون للمحتل وللصفوي وصاروا بعضهم أدلاء على المجاهدين.

وهل انتهى الأمر إلى هذا الحد؟ لقد انقسم المجاهدون فيما بينهم ولم يوحدوا جهودهم على رؤية واحدة، فعاقبهم الله بأن سلط عليهم تنظيم القاعدة ومن بعده داعش المشبوهين، ليكتسحوا الساحة ويقضوا على كل من تصدى للمحتل لتتربع على أمر الجهاد في العراق والجهاد منها براء، وتضع خاتمة مأساوية للجهاد العراقي.

أما السياسيون فإن أمرهم أدهى وأمر، فبعد أن تخلوا عن إخوانهم المجاهدين وباعوهم بعرض من الدنيا – إلا من رحم ربي- كانوا يظنون أنَّ بالسياسة وحدها يمكنهم تحصيل الحقوق وجني المكتسبات، كانت نتيجتهم أن انقسموا إلى عشرات الكيانات السياسية ووصل بهم الأمر أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم وفقدوا جماهيرهم، بل أصبحوا ذيلًا للأحزاب العميلة لإيران، فتراهم وقد ارتموا بأحضان تلك الأحزاب متأملين أن ينفعهم هذا بالبقاء بمناصبهم الكارتونية الحالية، ماذا بقي للسنة بالعراق وهم بهذا الوصف؟ هل فعلًا نحتاج لانقسامات جديدة لكي نصحح المسار أم نريد شيئًا جديدًا يوحدنا؟

جاءت مبادرة الشيخ سامي الجنابي المقيم بالنمسا، بإيجاد حزب جديد يمثل السلفيين من العرب السنّة العراقيين، لكنه لم يحدد لنا أي سلفيين يقصد لتشكيل هذا الحزب، هل هم السلفية العلمية؟ أم السلفية الحركية؟ أم السلفية الجهادية؟ أم السلفية السروريّة؟ هل يتوقع الشيخ سامي الجنابي أن يجمع شتات كل السلفيين في العراق لكي يتبعوا حزبه الجديد؟ وهل يا ترى بقي سلفيين بالعراق؟ لقد قامت القاعدة ومن بعدها داعش باستقطاب معظم من يحمل تلك الأفكار، ومن تبقى منهم ولم يلطخ يده بالانضمام إليهم، كم يتوقع أن يكون عددهم؟ وعلى افتراض أن هذا الحزب قامت بدعمه دول خليجية وبالذات السعودية، ومن المؤكد أن يكون لهذا الحزب أتباع بهذه الحالة، فهل سيكون لهم تأثير بتوحيد السنّة؟ أم أنهم سوف يكونون عامل انقسام جديد؟ فتبدأ مناظراتهم الفكرية مع الصوفية والإخوان، وتبديع هذا وتكفير ذاك، كعادتهم كل حين، مع اعتقادنا أنهم سوف يستثنون الشيعة من ذلك، على اعتبار أنهم شركاؤهم المستقبليون في العملية السياسة.

هل سيكون هذا الحزب عامل تجميع أم عامل تفرقة؟ ولماذا كفرتم الحزب الإسلامي وما زلتم، والآن تريدون أن تسلكوا مسلكه نفسه؟ هل كانت فتوى صالح الفوزان، بجواز دخول المسلمين في إدارة الدولة لأجل الإصلاح وإن كانت دولة كافرة، هي وراء مبادرتكم لتشكيل هذا الحزب؟ وإذا كان تشكيل الحزب ومنذ البداية نابعًا من فتاوى من خارج الحدود، فكيف ستكون سياستكم في العراق بعد تشكيلهم لذلك الحزب؟ هل ينقصنا أحزاب وكيانات جديدة موالية للخارج؟ لا نقول إننا في غنى عن مساعدة الآخرين، ولكن كان الأجدر بكم أن تشكلوا حزبكم من رحم معاناتكم كعراقيين، ومن ثم تطلبوا مساعدة الإخوة والأصدقاء. أم أن حزبكم بفكرته وأجندته كلها نتاج من أفتى لكم بتشكيله، لخدمة أجندته. هل المصلحة الشرعية تقتضي تشكيل حزب للسلفية ليزيد من انقسام السنّة؟

وإذا افترضنا جدلًا أن تشكيل مثل هذا الحزب يصب في خدمة السنّة، فماذا سيكون موقفكم من تشكيل حزب للصوفية؟ هل ستبدّعهم أم تكفّرهم؟ وبما أنك أعطيت لنفسك الحق بتشكيل حزب سلفي فالآخرون لهم الحق أيضًا أن يشكلوا أحزابهم التي تمثل مدارسهم الفكرية وتوجهاتهم الإسلامية؟ أليست هذه الديمقراطية التي آمنت بها مؤخرًا؟ وحتى هؤلاء الصوفية، سوف لن يجدوا مشكلة في تمويل حزبهم الجديد؛ فالإمارات مستعدة لدعم الصوفية في كل بلدان العالم، فلا مشكلة.

ثم ماذا سيكون رد فعل الشيعة الصفويين الذين يحكمون البلاد من تجربتك الجديدة؟ ربما ستقول سيحاربوننا، ولكننا سوف نستخدم الوسائل السلمية لكيلا تكون لهم علينا حجة، أطمئنك فالمتوقع أن الحكام في بغداد ومن ورائهم إيران سوف يتحمسون لحزبك أيما حماسة، طالما سيكون فيه انشقاق جديد لصف السنّة بالعراق، بل ستراهم يدعمونك، بالرغم من أننا نشك أنك طرحت مبادرتك لتشكيل هذا الحزب بدون أخذ الضوء الأخضر منهم.

نحن فعلًا نحتاج إلى حزب سياسي جديد أو كيان سياسي جديد، ذلك لفشل المنظومة السياسية السنيّة الحالية أن تكون بمستوى التحدي المفروض على السنّة، ولكن ليس بمسمى مدرسة معينة أو انتماء فكري معين، نحن بحاجة لكيان سياسي باسم المسلمين «مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْل»، نحتاج لحزب يلمَّ شتاتنا، لا أن يُمزّق الممزّق ويُشتّتُ المُشتّتْ، نريد من هذا الحزب أن يكون عابرًا للقومية، يهتم لأمر العراقيين ويعيد اللحمة ويعزز الثقة بين أفرادهم، نريد أن تكون له قيادة سياسية حكيمة وقيادة دينية راشدة، وقادرًا على حماية نفسه من اعدائه. فهل هناك من يتصف بهذه المواصفات أو يتطلع لمثل هذه الأماني؟ إننا لن نلقى احترام العالم واحترام شعبنا ومن قبلهما رضا ربّنا سبحانه وتعالى، أذا بقينا في دائرة الانقسام الحالي، من حقك أن تكون سلفيًا في رؤيتك للإسلام ومن حق الآخرين أن يكونوا إخوانًا، ولا نحجر على الآخرين حبهم الصوفي لله ورسوله، ولكن عليهم جميعًا الاتفاق لإنقاذ البلد، لن ينفعنا الهروب من مشاكلنا بتشكيل إقليم سني كما كان ينادي سامي الجنابي من قبل، ولن ينفعنا أسامة النجيفي بمشروعه لإقليم الموصل الجغرافي، وغيره ينادي بإقليم الأنبار، إنَّ الذي ينفعنا، أن نضع أيدي بعضنا ببعض لكي نتعاون بالمشتركات التي تجمعنا وهي كثيرة بإذن الله، لصد الهجمة القادمة من الشرق لتمزيق وطننا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد