( 1 ) السجن

رغم رقوده منهكاً على سرير صدئ ، في أحد السجون القديمة ، حيث لا مجال للرفاهية ، إلا أن عينيّ بروس واين – الرجل الوطواط – كانت مُعلقّةَ هناك … صوب تلك الفوهة التي يتسلل منها النور إلى أعماق الحُفرة التي يُحتجز بداخلها ، كانت أشد طرق العذاب إيلاماً من وجهة نظر المؤلف و التي تلخص فكرة ذلك السجن ، هي أن يكون الأمل أمام عينيك طوال الوقت ، ولا سبيل لك لتدركه ، تظل طوال الوقت تُحَدث نفسك و تُمنيها الأماني بأنك يوماً ما ستغادر تلك الحفرة من جهنم التي ترقد بداخلها ، لتحلق عالياً نحو السماء و النور.

تظل طوال الوقت تنظر إلى هناك ، إلى الحرية ، لكن دون جدوى ، و بمرور الوقت يتسرب الفشل بداخل نفسك رويداً رويداً حتى يقتل الطموح و الأمل بداخل نفسك.

نعم … لم يتطرق المؤلف لعذاب جسماني كما هي العادة ، لكنه ركز على فكرة فلسفية أكثر عمقاً و هي تعذيب النفس لا الجسد.

 

( 2 ) الهروب

لم يكن ثمة سبيل للخروج من ذلك السجن إلا تسلُق جدار تلك الفوهة الضخمة … نحو النور … نحو الحرية ، عبثاَ حاول العديد من الرجال أن يخرجوا منها بهذه الطريقة ، و كانت النهاية الحتمية للجميع هي بأن يسقطوا مرة أخرى إلى أعماق الحفرة ، ولكن هذه المرة ، ليسوا كسجناء و لكن كجثث هامدة. ما السبيل إذن للخروج؟ كيف أنجو بنفسي من هذا المصير؟

هنا … يأتي الحل على لسان سجين عجوز هناك ، بأن تلك القفزة للحرية لا تعتمد على القوة الجسمانية ، ليست مواردك المادية هي التي ستؤهلك للنجاح في تلك القفزة المصيرية ، لكنها النفس ، الروح ، هي العامل الرئيسي للنجاح ، حسناً إذاً … كيف أستطيع ذلك ؟ بأن تهزم أشد أعدائك ، أن تهزم خوفك. الخوف هو ما يجذبك مرة أخرى نحو القاع ، نحو الفشل.

في كل محاولة لخروج الرجل الوطواط كانوا يربطون حبلاً غليظاً حول خاصره ، حتى إذا ما فشل في تلك القفزة فإن ذلك الحبل سوف يؤَمِّن له حماية من السقوط ، و في كل مرة كان الفشل حليفه ، و بدأ اليأس يتسرب إلى جنبات روحه ، و هنا يأتي على خاطره اقتباس يتذكره عن والده ، حينما قال له يوماً : ” لماذا نسقط ؟ حتى نتعلم أن ننهض بأنفسنا مرة أخرى ”

 

( 3 ) بدون حبل

طالما هناك حبلاً يؤمن لك طريق السقوط ، فإنك لن تستطيع العبور ، أنت في داخلك تعتمد على خطة بديلة تدعمك في حال فشلك ، هذه الخطة نفسها هي ما تحول بينك و بين النجاح ، أحياناً ينبغي عليك بأن تُقدِم على المخاطرة ، أن تستعد جيداً لتلك القفزة صوب الحرية ، و أن تعلم يقيناً أنك تقدم كل ما لديك لكي تنعم بالحرية ، لا وجود لأنصاف الحلول هذه المرة.

أخبره السجين العجوز بأنه عليه أن يتخلى عن الحبل ، ذلك الحل الآمن للمكوث في تلك الحفرة العَفِنة ، عليه أن يقوم بالمخاطرة ليكون خوفه من الموت هو دافعه الحقيقي لكي تتوحد نفسه مع جسده في قفزة واحدة تخرج به من الظلمات إلى النور. هذه المرة نجاحك في الخروج يا صديقي رهنٌ بأن تجعل خوفك من السقوط حافزاً للنجاح.

قام الرجل الوطواط هذه المرة بتنفيذ توصية السجين العجوز، أعد عُدته لما بعد الخروج ، حاملاً معه طعاماً و شراباً ، و اقترب من الجدار و بدأ في تسلقه لكن هذه المرة بدون حبل.

 

( 4 ) إلى الحرية

أنت الآن تقف على الحافة … يفصل بينك و بين حريتك وثبة ، وثبة واحدة أخيرة ، تضع فيها كل عزيمتك و إصرارك على النجاح ، تُلقِي عنك بأحمال تُثقل كاهلك ، تنظر صوب هدفك في تحدٍ و تصميم ، الآن تحت أقدامك هوةٌ سحيقة تريد أن تنجو بنفسك منها ، تطمح أن تغادرها إلى غير رجعة ، أهذه هي لحظة الحقيقة إذاً ؟ قد تكون كذلك … و قد تكون مجرد محاولة جادة للهروب نحو الحرية.

محاولة أولى من محاولات عديدة قادمة ، أنت هنا الآن لتقفز و تنجو بنفسك ، كل التضحيات تتضائل أمام عينيك حين تدرك أن الحرية أسمى و أغلى من أي شئ ، هذه اللحظة التي تقرر فيها أن تكون كلاعب بوكر محترف كما وصف الدكتور أحمد عبد الحميد قائلاً : ” حين ألعبُ البوكر، ثمة لحظة صدق، أُحِبها…. أُلقي فيها بكل شيء أملكه على الطاولة، للمجهول الذي لا أعرفه، لقناعة أني أملك ما يكفي… لأنتصر. أحياناً أفعلها. أحياناً كثيرة. لا يوجد ما يخسره المرء، حين يلقي بكل شيء يملكه … All in.”

 

( 5 ) هل تفعلها ؟

العمر و الزمن لا يمهلان أحداً ، في كل مرة تقرر أن تنتظر ، أنت تُهدر فرصة نادرة من مخزون فرصك المحدود يا صديقي ، لن تنتظرك الحياة طويلاً ، عليك أن تتخذ قرارك ، إما أن تظل كما أنت ، أو أن تقرر كفايتك من الوضع الحالي و تتخذ وضع التأهب و الاستعداد لتفعل ما ينبغي عليك فعله ، أن تحسم ترددك ، أن تُلقي بذلك الحبل بعيداً ، إنها معركتك الحاسمة لصراعك الدائم بين الحسم و الانتظار.

افعلها كالرجل الوطواط يا صديقي … ذلك البطل البشري ، الذي لم يأتي للأرض من كوكب آخر ، أو اكتسب قدرات خاصة من تفاعل كيميائي ما، كلا … إنه مجرد إنسان ، مثلي و مثلك ، حاول كثيراً أن ينال حريته و فشل ، ثم أدرك أخيراً أن عليه أن يقوم بتلك المخاطرة ، أنت أيضاً يجب عليك ذلك ، غادر منطقة راحتك ، و اعمل بجد و اجتهاد لكي تنجو بنفسك و بأحبائك ، و تذكر جيداً أن السماء و الحرية في انتظارك ، ياله من مجهول يستحق أن نحارب من أجله.

افعلها الآن يا صديقي … افعلها كالرجل الوطواط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد