لعل أكثر عقيدة اختلف حولها المسلمون، وثارت بسببها الفتن، وجرت من أجلها على الأئمة المحن، هو اعتقادهم في صفة الكلام لله عز وجل. ولا يعنيني هنا بسط اعتقادات فرق المسلمين في الكلام، وأهمها الاعتقاد بكونه قديمًا أزليًا أم مخلوقًا محدثًا، بقدر ما يعنيني تحقيق دور الحاشية المعتزلية التي علا شأنها في بلاط الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق، في محنة من أشد المحن التي تعرض لها بعض من أكابر علماء المسلمين بسبب اعتقادهم في الكلام بما خالف اعتقاد المعتزلة؛ حيث يصر المعتزلة الجدد على التنصل من هذا الدور بدوافع واهية.

يعتقد المعتزلة أن الكلام صفة فعل لله تعالى، وليس من ‏صفات الذات، وأنه محدث غير قديم، مما تسبب في قولهم بخلق القرآن، فيعتقدون أن كلام الله مخلوق أو حادث ‏أي أنه وُجد بعد أن لم يكن موجودًا، وتكلم الله به بعد أن لم يكن متكلمًا، وأن كلامه تعالى حرف وصوت.

محنة خلق القرآن

كان أول من استلم راية التكفير من الخوارج هم المعتزلة! منذ نشأت المعتزلة أواخر القرن الأول الهجري، ورغم تباين عقائدهم الشديد مع عقائد باقي الفرق الإسلامية إلا أنها لم تتسبب في أي فتنة، حتى حدثت الفتنة العظيمة التي عُرفت باسم «محنة خلق القرآن»، التي بدأت في نهاية عهد الخليفة المأمون الذي اعتنق اعتقاد المعتزلة في خلق القرآن، وأصر على تلقين تلك العقيدة ‏للأئمة والقضاة والعلماء وإلزامهم بها بعد أن امتحن بعض المختارين بالمسألة، وعزل من يرفض الامتثال، وفقًا لما نسبه إليه المؤرخون!

ذكر ابن الأثير في «الكامل» (ج6، ص3) في حوادث سنة 218هـ «وفي هذه السنة كتب المأمون إلى إسحق بن إبراهيم ببغداد، في امتحان القضاة والشهود والمُحدّثين بالقرآن، فمن أقر أنه مخلوق مُحدَث خلى سبيله، ومن أبى أعلمه به ليأمره فيه برأيه، وطول كتابه بإقامة الدليل على خلق القرآن وترك الاستعانة بمن امتنع عن القول بذلك، ثم ورد كتاب المأمون بعد ذلك إلى إسحق بن إبراهيم بامتحان القضاة والفقهاء»أهـ.

وقد أفاض الإمام الطبري شيخ المؤرخين في «تاريخ الرسل والملوك» (ج8) في شرح حوادث المحنة، وذكر ما جاء في كتب المأمون، وما دار في مجالس الامتحان. وحكى التاج السبكي في «طبقات الشافعية» (ج2، ص 37: 51) أحداث محنة خلق القرآن والتي عنونها بـ«ذكر الداهية الدهياء والمصيبة الصمّاء، وهى محنة علماء الزمان، ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن، ‏وقيام الأحمدين ابن حنبل الشيبانى وابن نصر الخزاعى رضى الله عنهما مقام الصديقين، وما اتفق ‏فى تلك الكائنة من أعاجيب تتناقلها الرواة على مر السنين». ولا يوجد مؤرخ لعصر بني العباس يمكن أن يتغافل عن سرد وتحقيق حوادث المحنة.

ودون أن نحتاج إلى سرد وقائع تلك الفتنة الكبرى التي استمرت قرابة الخمسة عشر عامًا، فيكاد يكون من المقطوع به دور القاضي أحمد بن أبي دُؤاد في حدوثها، ثم استمرارها. قال السبكي: «كان القاضى أحمد بن أبى دُؤاد ممن نشأ فى العلم، وتضلّع بعلم الكلام، وصحب فيه هياج بن ‏العلاء السلمى صاحب واصل بن عطاء أحد رؤوس المعتزلة. وكان ابن أبى دُؤاد رجلًا فصيحًا. قال ‏أبو العيناء: ما رأيت رئيسًا قط أفصح ولا أنطق منه، وكان كريمًا مُمدحًا. وكان معظمًا عند المأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعاته ويصغى إلى كلامه، وأخباره فى هذا كثيرة. فدسّ ابن أبي دؤاد له القول بخلق القرآن، وحسّنه عنده وصيّره يعتقده حقًا مبينًا، إلى أن أجمع رأيه ‏فى سنة ثمان عشرة ومائتين على الدعاء إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم ‏الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابًا……………، وكان المأمون قد كتب وصية تطول حكايتها، ضمنها تحريض الخليفة بعده على حمل الخلق ‏على ‏القول بخلق القرآن، ثم تُوفى فى رجب، ودُفن بطرسوس، واستقل أمير المؤمنين المعتصم ‏بالخلافة». ‏

ونتيجة للتعذيب؛ فقد اضطر كثير ممن تم امتحانهم من العلماء والقضاة إلى الإقرار بخلق القرآن على خلاف ما يعتقدون، بينما لم ‏يصبر في المحنة إلا: محمد بن نوح مات في فتنة المأمون، وأحمد بن حنبل الذي بدأت محنته في فتنة المأمون، ثم سجنه المعتصم وضربه بالسياط، وأحمد بن نصر بن ‏مالك الخزاعي قتله الواثق بضرب عنقه، ونُعيم بن حماد مات فى السجن مقيدًا، إضافة إلى ابن عبد الحكم والبويطي تلميذا الشافعي.

وكُتب التاريخ تذكر كيف أخذ المأمون الاعتزال عن بشر المريسي (والذي مات آخر السنة التي بدأت فيها المحنة 218ـ-، وقيل بل أخذه عن ثُمامة بن أشرس والذي كان من أقرب المقربين إليه، ثم انضم ابن أبي دؤاد، وهو من المعتزلة أيضًا. والمؤرخون على أن الأخيرين زيّنا للمأمون إظهار الاعتقاد بخلق القرآن بعد موت يزيد بن هارون، وعزل يحيى بن أكثم، واللذان كانا لا يقولان بخلق القرآن. ذكر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (ج9، ص 362)  عن يحيى بن أكثم قال: «قال لنا المأمون: لولا مكان يزيد بن هارون، لأظهرت القرآن مخلوق، فقيل: ومن يزيد حتى يُتقى؟ فقال: ويحك إني لأرتضيه لا أن له سلطنة، ولكن أخاف إن أظهرته، فيرد عليّ، فيختلف الناس، وتكون فتنة»أهـ. ويضيف (ص364) «وفي حكاية المأمون المذكورة زيادة، قال: فخرج رجل – يعني من ناحية المأمون إلى واسط – قال: فجاء إلى يزيد، فقال: أمير المؤمنين يُقرئك السلام، ويقول لك: أريد أن أُظهر: القرآن مخلوق، قال: كذبت على أمير المؤمنين، فإنه لا يحمل الناس على ما لا يعرفونه. وفي كتاب «ذم الكلام» أخبرنا محمد بن المنتصر الباهلي، أخبرنا…، حدثنا عبد الوهاب بن الحكم قال: كان المأمون يُسأل عن يزيد بن هارون يقول: ما مات، وما امتحن الناس حتى مات يزيد»أهـ. وأقول: لكن يزيد بن هارون مات سنة 206هـ، والمحنة حدثت سنة 218هـ!

ورُوي أيضًا أنه كانت للمأمون محاولة لإظهار عقيدته في خلق القرآن فى سنة اثنتي عشرة ومائتين، ولكن لم يُحك أنه أمر بامتحان أحد، ولم تكن هذه سيرته، ولا تتفق مع ما عُرف عنه من عقل وحلم. ذكر الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» (ج8، ص619) في حوادث سنة اثنتي عشرة ومائتين «وفيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، وتفضيل علي بن أبي طالب عليه السلام، وقال: هو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في شهر ربيع الأول منها»أهـ. وكذا ذكر ابن الجوزي في «المنتظم» (ج10، ص248). وذكر الذهبي في ترجمة المأمون في «السير» (ج10، ص 281) «قال نِفطويه: كان كلامه – أي المأمون – في القرآن سنة اثنتي عشرة ومئتين، فأنكر الناس ذلك، واضطربوا، ولم ينل مقصوده، ففتر إلى وقت»أهـ. أي أنه عندما حدثت المحنة ظنوا فيه أنه كان قد فتر، وأن مراده لم يكن إظهار العقيدة فقط، والذي قام به بالفعل سنة 212هـ، لكن ظنوا أنه كان قد أراد حمل الناس عليها، ولم يكن قد نزع الفكرة من رأسه، ولكن هل يفتر ست سنين إلى سنة ثمان ‏عشرة ‏ومائتين، والتي تصادف فيها تزامن مرضه واحتضاره مع الأمر بامتحان العلماء! والذي لم يكن قد أمر به سنة 212هـ؟! وأقول: إن صدقت قصص تأخير إظهار العقيدة حتى وفاة يزيد بن هارون كي لا تحدث فتنة، ثم إظهاره عقيدته سنة 212هـ، فتلك الروايات دالة أنه ما أراد سوى إظهار عقيدته في خلق القرآن، وقد علم بهذا القاصي والداني، وشجَّع بعض الناس على قبول تلك العقيدة، وما أراد فتنة قط، فهي دالة أنه لم يأمر بامتحان أحد سواء من العلماء أو العامة.

فأكثر ما يثير الاستغراب في تلك المحنة أنها بدأت في عهد أكثر خلفاء المسلمين انفتاحًا فكريًا طوال التاريخ الإسلامي، وهو المأمون العباسي، والذي كان يضم مجلسه أطيافًا من كل الديانات والملل، واُشتهر برجاحة العقل وسعة الصدر، وقصصه ونوادره وحلمه مع الظرفاء والشعراء تملأ دفاترًا، قصّ منها الطبري في ترجمته الكثير. يحكي عنه السبكي في «الطبقات» (ص 57) « قال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا. وقيل إن ملاحًا مرّ والمأمون جالس، فقال: أتظنون أن هذا ينبُل فى عينى وقد قتل أخاه الأمين، يشير ‏إلى المأمون، فسمعه المأمون، وظن الحاضرون أنه سيقضي عليه، فلم يزد المأمون على أن تبسم، ‏وقال: ما الحيلة حتى أنبُل فى عين هذا السيد الجليل؟!»، والقصة رواها كل من ترجم له، وروى الذهبي في ترجمته (ج10، ص280) «قيل: أُدخِل خارجي على المأمون، فقال: ما حملك على الخلاف؟ قال: قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، قال: ألك علم بأنها مُنزلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمة. قال: فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل، فارض بإجماعهم في التأويل. قال: صدقت. السلام عليك يا أمير المؤمنين»أهـ. فكيف يحاول مثل هذا ‏إكراه علماء كبار على رأي لا يعتقدونه ولا يؤمنون به؟!

ومما يلفت الانتباه في شأن المحنة، وهو حقيق بأن يثير العجب والتساؤل، أن المأمون لم يمتحن الفقهاء والقضاة حيث كان، لأنه كان في بلاد الروم، ولم ينتظر إلى خروجه منها! ثم خرج إلى قرية بدندون بجانب طرسوس، وهي التي مات فيها، بل وردت كتبًا مختومة بختمه إلى نائبه في بغداد يأمره فيها بأن يمتحن علماء العراق، وكان تاريخ إرسال أولها في ربيع الأول 218هـ، ونفذت كتب في المقابل من إسحاق بن إبراهيم نائبه يرد عليه فيها بذكر ما كان يردّ به الممتحنون، وكان المأمون مريضًا محمومًا إذ ذاك، بل وكان يُغشى عليه في مرضه ثم يفيق، ومات لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب، قبل أن يرى من رفض منهم الإذعان والإقرار بخلق القرآن، وفيهم الإمام أحمد، ثم أن المأمون طلب ابنه العباس ليقدم عليه عندما احتضر، بينما كانت الكتب المختومة بخاتمه قد طارت إلى البلدان محددة اسم الخليفة من بعده أخاه المعتصم، يذكر الذهبي في السير (ج10، ص288) «فلمّا احتُضِر، طلب ابنه العباس ليقدم، فوافاه بآخر رمق، وقد نُفِّذت الكتب إلى البلدان، فيها: «من المأمون وأخيه أبي إسحاق –المعتصم- الخليفة من بعده»، فقيل: وقع ذلك بغير أمر المأمون، وقيل: بل بأمره»أهـ. بينما ذكر ابن الأثير في «الكامل» (ج6، ص6) أنه «لمّا مرض المأمون أمر أن يُكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق بن هارون الرشيد، وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس، وبحضرة الفقهاء والقضاة والقواد». وقال الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» (ج8، ص647) «ولمّا اشتدت بالمأمون عِلَّته بعث إلى ابنه العباس، وهو يظن أن لن يأتيه، فأتاه وهو شديد المرض متغيّر العقل، وقد نُفّذت الكتب بما نُفذت له في أمر أبي إسحاق – المعتصم – بن الرشيد، فأقام العباس عند أبيه أيامًا، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبي إسحاق. وقيل: لم يوصِ إلا والعباس حاضر، والقضاة والفقهاء والقواد والكتاب»أهـ.

وأقول: مثلما تشكك بعض المؤرخين في صحة أن المأمون هو من أمر بإنفاذ الكتب التي تمت تولية المعتصم الخلافة بها، كان الأولى بهم أن يتشككوا في معرفته بأمر الكتب المختومة المنسوبة إليه التي طالبت بامتحان العلماء، والكتب التي ردّت على أجوبتهم على لسانه، لأن ما ثبت من اعتقاد المأمون بخلق القرآن، وما نُسب إليه من محاولات إظهار تلك العقيدة قبل موته بسنوات، ليس دليلًا كافيًا أنه هو من أمر بامتحان العلماء وإكراههم على الإقرار بمعتقده، بل وإرسال كتب تملأ صحائف تسبْ من رفض منهم الإذعان واحدًا واحدًا، وهو محموم! لأن هذا مما يبعد تمامًا عن سيرة المأمون الذي كانت المناظرات العلمية تملأ قصره.

ثم بقيت نفس الحاشية المعتزلية تملأ بلاط المعتصم، الذي كان على عكس أخيه المأمون ليس له حظ في العلم، بل أورد المؤرخون أن قراءته كانت ضعيفة، ومع ذلك استمرت المحنة، والمفترض أن نصدق أن من لا يُحسن القراءة المشغول بالفتوحات يفهم أساسًا معنى أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، ومهتم بإظهار عقيدة خلق القرآن، فإن كان امتحانه علماء مصر له ما يبرره بسبب ما كان بينه وبين أهلها قبل خلافته، فِإن إصراره على امتحان الإمام أحمد لا يبرره إلا تزيين حاشية السوء، وكان من اللافت أيضًا أن تولى بعد المعتصم ابنه الواثق، ثم ابنه الثاني المتوكل. وكأن تلك الحاشية كانت تمهد الخلافة لمن يمكن أن يُظهر معتقداتها، ثم أن المتوكل لم ينقلب عليهم، ويأمر بإخماد الفتنة إلا بعد أن استتب له الأمر في ولايته، فهو قد ولي الخلافة سنة 332هـ، وانتهت المحنة سنة 334هـ، ثم لم ينقلب على ابن أبي دؤاد إلا سنة 337هـ.

قال الذهبي في «السير» (ج10، ص307) «قال الخطيب: استولى أحمد بن أبي دُواد على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة، والدعاء إلى خلق القرآن. وقيل أنه رجع عن ذلك قبل موته»أهـ. ويحكى أن المحنة قد خفّت بعد أن حُمل رجل إلى مجلس الخليفة الواثق بالله كي يُمتحن في خلق القرآن، فسأل الرجل ابن أبي دؤاد عما إن كان الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم برأيه هذا في القرآن، فأجاب ابن أبي دؤاد بالإيجاب، فأفحمه الرجل قائلًا: فكان يسع النبي ألا يدعو الناس إليه، وأنتم لا يسعكم؟!

وهناك لقطات في كتب السير والتاريخ تظهر تأثير الحاشية المعتزلية القوي، وعلى رأسها بن أبي دؤاد، ربما كانت أبلغ من كل نقاش منطقي. روى الطبري شيخ المؤرخين في «تاريخ الرسل والملوك» (ج9، ص150-151) في خبر موت الواثق أواخر سنة 232هـ «…..وحضر ابن الزيَّات وابن أبي دُواد، فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفة، فعلموا أنه قد مات. وقد قيل: إن أحمد بن أبي دُواد حضره وقد أُغمي عليه، فقضى وهو عنده، فأقبل يغمضه ويُصلح من شأنه. وكانت وفاته لستٍ بقين من ذي الحجة، وكان الذي صلَّى عليه وأدخله قبره وتولّى أمره أحمد بن أبي دُواد، وكان الواثق أمر أحمد بن أبي دُواد أن يُصلي بالناس يوم الأضحى في المصلى، فصلى بهم العيد؛ لأن الواثق كان شديد العلة فلم يقدر على الحضور إلى المصلى، ومات من عِلَّته تلك»أهـ. وكما نرى فابن أبي دؤاد حاضر دومًا في الصورة، بل ومُقدّم على الوزير ابن الزيات. وروى الذهبي في «السير» (ج10، ص 313) عن أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة، عن أبيه، الذي حضر وفاة الواثق بالله، أنهم تركوا الخليفة وحده، بعد موته، ثم «قال ابن أبي دُواد: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة، فاحفظه –أي فـَــــاِبْق مع جثمان الخليفة-»أهـ، فابن أبي دُواد الذي طيَّر الخطابات بتعيين المعتصم والمأمون يُحتضر، ثم عيَّن من بعده الواثق -والذي مات صغيرًا عليلًا بعد أن تاب من القول بخلق القرآن-، هو من ترك جثمان الخليفة الراحل مسجى ليُعِدّ لتولية الخليفة من بعده.

ويزيد الطبري فيحكي عن الكيفية التي جرت بها البيعة للمتوكل من بعد الواثق. يذكر في «تاريخ الرسل والملوك» (ج9، ص154) «حدثني غير واحد –وهم معاصرون لتلك الحوادث؛ لأن الطبري نفسه من مواليد 224هـ-؛ أن الواثق لمّا توفي حضر الدار أحمد بن أبي دُواد وإيتاخ ووصيف وعمر بن فرج وابن الزيّات وأحمد بن خالد أبو الوزير، فعزموا على البيعة لمحمد بن الواثق، وهو غلام أمرد، فألبسوه درّاعة سوداء وقلنسوة رُصافية، فإذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله! تولُّون مثل هذا الخلافة؛ وهو لا يجوز معه الصلاة!. قال: فتناظروا فيمن يولونها، فذكروا عدة، فذُكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء، أنه قال: خرجتُ من الموضع الذي كنتُ فيه، فمررت بجعفر المتوكل؛ فإذا هو في قميص وسروال قاعد مع أبناء الأتراك، فقال لي: ما الخبر؟، فقلت: لم ينقطع أمرهم؛ ثم دعوا به، فأخبره بُغا الشرابي الخبر، وجاء به، فقال: أخاف أن يكون الواثق لم يمت، قال: فمرّ به، فنظر إليه مسجّى، فجاء فجلس، فألبسه أحمد بن أبي دُواد الطويلة وعمّمه وقبّله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته»أهـ. ثم يقول المعتزلة الجدد: ما لنا ومال ابن أبي دؤاد والمحنة؟! لم يكن الوزير، ولم يكن ذا شأن، بل لم يكن معتزليًا!.

وانتهت المحنة فعليًا سنة أربع وثلاثين ومائتين، في خلافة المتوكل، وبذا استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا. وأمر المتوكل الناس بالتوقف عن تعلم الكلام، وترك الخوض في مسألة خلق القرآن، وإلا فسجن المطبق سيكون مأوى من لا يستجيب، كما أكرم الإمام أحمد، وأمر بدفن جثمان أحمد بن نصر الخزاعي، والذي كان مصلوبًا منذ قتله الواثق، وقتل الوزير محمد بن عبد الملك الزيات سنة 233هـ، وغيره من رجال الحاشية كعمر بن فرج وإيتاخ وأبي الوزير، ثم انقلب على ابن أبي دُواد وصادره سنة 237هـ. يقول الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمته (ج11، ص171) «صادره المتوكل، وأخذ منه ستة عشر ألف ألف درهمًا، وافتقر»أهـ. وقد اُشتهر لدى المؤرخين أن المتوكل كان يُبغض المعتزلة وقريب من السُنة، ولكنه مع ذلك لم يُنْه المحنة إلا بعد سنتين من خلافته. فالأمر لا يتصل بالتسنن فقط، بل بالتمكين، وضرورة طرد من استشرى شرهم وخطرهم من بلاط الخلافة، فتخلص من الحاشية التي بايعته تباعًا، وإن كان قد أحلّ مكانهم من هم أشد خطرًا، وأعني الجنود الأتراك، الذين استكثر منهم حتى كان مقتله على يديهم سنة 247هـ.

**********************

ويسوق المعتزلة الجدد بعض الادعاءات للدفاع عن أسلافهم، وتبرئتهم من إثارة تلك الفتنة السوداء، ونرد عليها بالآتي:

  • يدَّعون مبررات سياسية للمحنة، وأنها نشأت كتصفية للحسابات السابقة التي نتجت عن صراع المأمون مع أخيه الأمين على الحكم، وهو كلام مردود عليه، فالمحنة حدثت أواخر عهد المأمون، فهل تذكَّر المأمون فجأة، وبعد عشرين سنة من توليه الحكم واستتباب الأمر له -198هـ: 218هـ- أن ينتقم ممن تصور أنهم نصروا أخاه عليه؟، ثم أن شخصًا كالإمام أحمد كان مجرد شاب صغير من طلبة العلم ببغداد أيام تخاصم الأمين والمأمون، ومعروف عنه ابتعاده عن السلاطين، فما الذي قام به هو وغيره ممن اُمتحنوا لمساندة الأمين حتى أغرى بهم المأمون لهذه الدرجة؟!
  • ويصل الأمر بالمعتزلة الجدد إلى حد التبرؤ من كل من له صلة بالمحنة، كابن أبي دؤاد، وبشر المريسي، الذي قيل أنه كان أستاذ المأمون، والمأمون ذاته، وغيرهم إن لزم الأمر، على أنهم ليسوا معتزلة! ويقولون إن المأمون والمعتصم والواثق لم يؤمنوا أن العباد يخلقون أفعالهم، فلم يؤمنوا بالعدل على طريقة المعتزلة، وبالتالي يرون ألّا تُنسب أفعالهم للمعتزلة! وأتساءل: ما للإيمان بالعدل ومحنة خلق القرآن؟! وسواء آمنوا بكل أصول المعتزلة أو أصلهم في التوحيد فقط، ما يعنينا أن عقيدة المعتزلة في خلق القرآن التي اعتقدوها بتأثير الحاشية المعتزلية كانت سبب المحنة الوحيد. كما يستغل المعتزلة الجدد التصنيفات الكثيرة التي قسّم الباحثون في المِلل والنِحل المعتزلة إليها (واصلية، هُذيلية، نظَّامية، بشرية، ثمامية، جاحظية…)، وشيوع وصف الحنابلة للمعتزلة بالجهمية للادعاء بأنهم لم يكونوا وراء المحنة بل الجهمية! ويتساءلون عن كون إسحق بن إبراهيم نائب المأمون على بغداد معتزليًا، وطالما ليس معتزليًا وهو من امتحن الناس بأمر المأمون فهم أبرياء!
  • وأحيانًا يدَّعون أن المحنة بدأت ويحيى بن أكثم هو الوزير، وليس ابن أبي دؤاد، ويناقض ذلك ما رواه الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» (ج8، ص649) في وصية المأمون للمعتصم حين اشتد به الوجع، وأحس بمجيء أمر الله، فقال له ضمن ما قال: «وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك، وأشركه في المشورة في كل أمرك؛ فإنه موضع لذلك منك، ولا تتخذنّ بعدي وزيرًا تُلقي إليه شيئًا؛ فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس وخبيث سيرته، حتى أبان الله ذلك منه في صحة مني، فصرت إلى مفارقته! قاليًا له غير راض بما صنع في أموال الله وصدقاته، لا جزاه الله عن الإسلام خيرًا»أهـ. فلم يكن ابن أكثم وقت بدء المحنة لا وزيرًا ولا قاضيًا، وكان ابن دؤاد صاحب المشورة.
  • ثم يحق لي أن أتساءل، لماذا تراها استمرت المحنة بعد موت المأمون، في عهد المعتصم – وهو شبه الأمي – ثم من بعده الواثق، هل يُعقل أن نصدق رواية المعتزلة بأن المحنة كانت ستارًا لتصفية حسابات سياسية قديمة، فيكون المعتصم قد امتحن الناس الذين ظن أنهم وقفوا مع أخيه الأمين ضد أخيه المأمون قبل أكثر من عشرين عامًا! ثم جاء الواثق ليمضي في المحنة بسبب خلاف بين عميه الأمين والمأمون، حدث وهو رضيع، وربما لم يكن قد وُلد لأنه مختلف في تاريخ مولده!. والجواب الذي لا يقبل العقل سواه –يا دعاة العقل يا معتزلة- أنه لا توجد تصفية لحسابات سياسية وراء بدء واستمرار تلك الداهية، فهي كانت محنة إكراه الناس على القول بخلق القرآن، وليس أي شيء آخر تتفلسفون به علينا، ولو لم يكن للمعتزلة والقائلين بعقيدتهم في خلق القرآن ممن ملأوا بلاط الخلافة دور أساسي في المحنة ما حدثت وما استمرت؟، وقد عرضنا لتمكن ابن أبي دؤاد، وكيف كان يقف وراء تعيين الخلفاء. والله أعلم بصحة نسبة الكتب للمأمون، والتي كانت شرارة المحنة.
  • ثم ما رواه الإمام أحمد من حوادث المحنة ونقله عنه ابناه، ثم تناقله الرواة يثبت أن الأمر كان لا يتعلق بأي شيء عدا أن يُقر بخلق القرآن، وتثبت روايته للحوادث دور ابن أبي دؤاد في تأليب المعتصم عليه، وكذا ما رواه الكندي عن حوادث المحنة في مصر يثبت أن الأمر كان يدور على إلزام الناس الاعتقاد بخلق القرآن لا غير.
  • ويحاول المعتزلة الجُدد ضمن محاولات تملصهم الدائبة من الفظائع التي اُرتكبت في المحنة إلصاق الاتهامات بالوزير ابن الزيّات أنه هو المسؤول عن قتل الواثق لأحمد بن نصر الخزاعي. يقول الذهبي في ترجمته لابن الزيات في «سير أعلام النبلاء» (ج11، ص173): «وزر للمعتصم والواثق، وكان معاديًا لابن أبي دُواد، فأغرى ابن أبي دُواد المتوكل، حتى صادر ابن الزيَّات وعذَّبه، وكان –أي ابن الزيات- يقول بخلق القرآن. مات في سنة ثلاث وثلاثين ومئتين»أهـ. وهذه الرواية من الذهبي تؤكد أن ابن أبي دؤاد كانت له وجاهة حتى بداية عهد المتوكل وقبل رفع المحنة، بل وحتى سنة 237هـ حين غضب عليه االمتوكل وصادر أمواله. أما الطبري في تاريخه، فذكر أن إساءة معاملة الوزير ابن الزيات للمتوكل أثناء خلافة الواثق، كانت سبب غضبه عليه، ومثل الذهبي، لم يأت على سيرة دم أحمد بن نصر الخزاعي مطلقًا، فلم يكن ابن الزيّات إلا واحدًا من الحاشية التي تخلص منها المتوكل. ووفقًا لروايات الطبري في «تاريخ الرسل والملوك» وابن الأثير في «الكامل في التاريخ» وغيرهما فإن الواثق عندما قُبض على ابن نصر سنة 231هـ، أحضر ابن أبي دؤاد وأصحابه، وأعد مجلسًا عامًا ليمتحنوه، وأن الواثق لم يسأله في اعتزامه الخروج والتشغيب عليه، بل ناظر الواثق ابن نصر في سبب الخلاف بينهما وهو قوله في خلق القرآن وعدم رؤية المؤمنين لله بالأبصار يوم القيامة، وهما من أصول المعتزلة، فلم يُقر له بأن القرآن مخلوق، وقال بأن الأحاديث أثبتت الرؤية البصرية، كما أن ابن أبي دؤاد لم يؤلب الواثق على قتل أحمد بن نصر، بل قال:، كما روى الطبري (ج9، ص138) «يا أمير المؤمنين، كافر يُستتاب؛ لعل به عاهة أو تغير عقل، كأنه كره أن يُقتل بسببه»أهـ، لكن الواثق أصرّ على قتله، ثم حُمل رأسه ونُصب في بغداد. وحتى لو صدقت الرواية التي يتبناها المعتزلة أن ابن الزيّات هو من أغرى الواثق بقتله لأنه كافر لا يقول أن القرآن مخلوق! فالأمر كله يدور في دائرة رفض أحمد بن نصر لإكراه الناس على معتقد خلق القرآن، والذي كان يقف وراءه المعتزلة.

وأخيرًا، فإن المعتزلة بدلًا من الاعتذار عما بدر من أسلافهم، وفوق تنصلهم من الجرائم التي اُرتكبت في حق المخالفين عقديًا، فإنهم يدَّعون أنه قد تم إلصاق تهمة إجبار الناس على الإقرار بخلق القرآن بهم زورًا، ليُستغل ذلك في القضاء عليهم، ثم يذكرون العقيدة القادرية! والتي يعتبرونها من أكثر المخازي الإسلامية عبر التاريخ، والتي أوافقهم القول بأنها مخزية، ولكنها ليست بأقل إخزاءً من محنة خلق القرآن، لو كنتم تستحون.

والعقيدة القادرية، أصدرها الخليفة القادر بالله العباسي الحنبلي سنة 408هـ، أي بعد حوالي قرنين من الزمان من محنة خلق القرآن، فلا يقول بأنها رد فعل لما حدث في المحنة إلا مخرِّف أو جاهل بتتابع الحوادث، وكان أولى بالمتوكل أن تكون هذه ردة فعله، عوضًا أن تكون ردة فعل حفيده القادر، بل الحقيقة أنها لو كانت ردة فعل، فهي ردة فعل لما فعله البويهيون الشيعة المائلون للاعتزال في الخلفاء الثلاثة الذين سبقوا القادر بالله، المستكفي بالله والمطيع لله والطائع لله؛ فخلعوا المستكفي وسُمِلت عيناه، ودفعوا المطيع أن يبيع بعض ثيابه وأثاث بيته كي يعطيهم الأموال، وخلعوا الطائع، فهل عرفتم من الفاعل ومن صاحب ردة الفعل؟!

والمعتزلة لم ينتهوا ولم يُقتَّلوا بعد المحنة، فقط حدثت لهم انتكاسة لمنع المتوكل من تعلم علم الكلام، ثم عادوا في القرن الرابع الهجري بقوة زمن البويهيين، فمتى عاش الجبائي والقاضي عبد الجبار إن كنتم قد قُتِّلتم بعد المحنة؟! صحيح أنه وبناء على الوثيقة القادرية نفى محمود بن سُبكتكين من المعتزلة الكثير، وربما قتل بعضهم، ولكنهم لم ينتهوا بسببها، وبقيوا، بل عندما سنحت لهم الفرصة مرة ثانية بعد إصدار الوثيقة القادرية أن يُستوزروا، أمر الوزير المعتزلي، عميد المُلك، أبو نصر، محمد بن منصور بن محمد الكُندري، وزير السلطان طغرلبك، أول سلاطين السلاجقة، بلعن أهل البدع والأهواء على المنابر! وهو الوصف القادح الذي يُصر الحنابلة على نعتهم به، ولكن اللافت أنهم لم يُعيِّنوا باللعن الحنابلة الذين آذوهم في بغداد، وأصدر الخليفة المنتمي إليهم وثيقة نُفي وقُتِل بعضهم بسببها، بل عيَّنوا الأشاعرة باللعن، وحبسوا علمائهم، وكان من الواضح أن ردود الأشاعرة عليهم بإثبات القدر لله، وأن إرادته نافذة، وإثبات صفات الجلال السبع له سبحانه، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وغيرها، وردّ أدلتهم، كان أقوى عليهم من سيف ابن سُبكتكين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عبدالرحمن بن علي بن محمد أبو الفرج ابن الجوزي.‏ تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. (1995). ‏المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. ط2. بيروت: دار الكتب العلمية.
عبد الوهّاب بن علي بن عبد الكافي تاج الدين السبكي. تحقيق: محمود محمد الطناحي وعبد الفتاح محمد الحلو. (1993). طبقات الشافعية الكبرى. ط2. القاهرة: دار هجر.‏
علي بن محمد بن محمد الشيباني أبو الحسن ا‏بن الأثير الجزري. تحقيق: عبد الله القاضي ومحمد يوسف الدقاق. (1987). الكامل في التاريخ. ‏بيروت: دار الكتب العلمية.‏
محمد بن أحمد بن عثمان أبو عبد الله شمس الدين الذهبي. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم الزيبق. (1996)‏. سير أعلام النبلاء. ط 11.‏ بيروت: مؤسسة الرسالة.
محمد بن جرير أبو جعفر الطبري. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. (1967). تاريخ الطبري «تاريخ الرسل والملوك». ط2. مصر: دار المعارف.
عرض التعليقات
تحميل المزيد