بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكية جون كيري أنه في حال فشل كل من «اتفاق وقف الأعمال العدائية في سوريا، والانتقال السياسي الذي أقرته الأمم المتحدة» فإن بلاده تدرس «خطة بديلة» للتعامل مع الوضع، وأنه أبلغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الولايات المتحدة لن تنتظر أكثر من شهر أو اثنين لتحكم على جدية موسكو بشأن المحادثات وفي تحذيره إلى مآلات الوضع إذا لم يحصل حلّ للأزمة السورية عبر طاولة المفاوضات، تحدث كيري عن احتمال انهيار سوريا بالكامل وعن صعوبة بقاء سوريا بلدًا موحدًا، وهو ما اعتبر تلميحًا لإمكان تقسيم سوريا، وهذا ما تم فعلًا؛ فبعد انسحاب المعارضة من المحادثات التي تجري حاليًا في جنيف تحت رعاية أمريكية روسية، وما حدث بعدها من مجازر، تقشعر لها الأبدان في حلب ومن نسمع ونرى عن تقسيم سيحدث في العالم العربي من تقسيم المقسم، إلا أنه وبنظر إلى هذا كله، ما يزال يغمرنا كثير من الأمل، وخصوصًا للذين يقرؤون التاريخ بعمق، ويقرأ المفارقات العجيبة التي حدثت في زمن الدولة الأيوبية، وقامت دولة إسلامية قوية في مرحلة من أشد مراحل التاريخ حرجًا، إذا تعرض فيها العالم الإسلامي في الشرق لهجوم أوروبي غربي، عرف باسم الحروب الصليبية في الوقت الذي كان فيه المسلمون يمرون بحال من التفكك والفرقة والانقسام، وكأن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، فما يحدث الآن في الشام، وينظر إلى حال الأمة الإسلامية الآن كيف تمر بمرحلة من التفكك والفرقة والضياع، لكن ما حدث في السابق ويحدث الآن في إعادة للتاريخ إلى قبل قيام الدولة الأيوبية، نستطيع أن نجمل بعض المفارقات العجيبة لكي نتأمل فيها؛ لأن كثيرًا من شباب الأمة الإسلامية في عصرنا الحالي يمر بصدمة كبيرة لما آلت إليه الأمور بعد الربيع العربي في كل من اليمن ومصر وليبيا وسوريا وفلسطين والعراق وكيف تحول الأمل الذي كان يكسو كثيرًا من شباب الأمة إلى يأس وإحباط، نقول لهم اقرؤوا التاريخ بعمق فمن ضمن المفارقات العجيبة أن الحياة السياسية اتصفت في الشرق الإسلامي قبل مجيء الصليبيين باضطراب داخلي، شمل كافة الدولة والإمارات الإسلامية؛ ففي الشرق خضعت الخلافة العباسية لسيطرة السلاجقة الذين تدهور نفوذهم بعد ذلك وتفككت دولتهم، ودَبَّ النزاع بين أمرائهم حول الاستئثار بالنفوذ والسلطان.

وكانت الدولة العُبَيْدِيّة «الفاطمية» في مصر تمر بمراحل شيخوختها؛ فينازع أمراؤُها خلفاءَها، وتجاذبت القوتان السلجوقية والفاطمية بلاد الشام دون أن تتمكن أي منها من تثبيت نفوذها، وسيطرتها عليها بصورة دائمة أو فعالة نتج عن هذا الوضع المضطرب مناخ مناسب للأمراء المحليين في إقليم الجزيرة وبلاد الشام، فاستقل كُلٌّ بما تحت يده يعالج مشكلاته وشئونه الخاصة، وخضع للجانب الذي ارتبطت به مصلحته، وراح يعمل على توسيع أملاكه – إلى ما وراء حدود إمارته – على حساب جيرانه الأمراء الآخرين في ظل ضعف الرابطة السياسية بين هذه الكيانات؛ فتوزعت السلطة نتيجة ذلك بين عدد من الأمراء الطامحين، وتركزت إماراتهم في الموصل، وأنطاكية، والرُّها، وحلب ودمشق، وبيت المقدس وغيرها، فأضحى لكل واحدة من هذه الوحدات السياسية – الاجتماعية، كيانها الخاص وذاتيتها المتميزة إلى حد كبير.

وصل الصليبيون في ظل هذه الظروف القلقة إلى العالم الإسلامي، واندلعت نيران الحروب الصليبية في الجزيرة وبلاد الشام، ونجحوا في تأسيس أربع إمارات لاتينية في قلب العالم الإسلامي هي: الرُّها، وأنطاكية، وبيت المقدس، وطرابلس، مستغلين تدهور نفوذ السلاجقة، وعجز الخلافة العباسية، والدولة الفاطمية، وتَشَتُّت الإمارات وبالنظر إلى هذا ومقارنته بالحالة السياسية التي يعيشها العالم العربي وكيف أن سوريا أصبحت فعليًا مقسمة إلى عدة أقسام وحالة التنسيق الكبيرة التي تحدث الآن بين دولة العسكر والدولة الصهيونية على إخواننا في فلسطين ومن يحدث أيضًا من قتل وتشريد وسجن لمعارضين حكم الانقلاب، وحالة التقسيم والقتل في العراق وأيضًا من يحدث في اليمن وليبيا، نرجع ونقول لا تتألمي يا امتي فالتاريخ يعيد نفسه، فما أن جاء بعدها القائد عماد الدين زنكي القائد الصلب وأدرك ما عليه فعله وهذا ما يجب علينا أيضًا في وقتنا الحالي إدراكه إدراك ما آلت إليه الأوضاع في العالم الإسلامي من تشتت وتدهور، فأخذ على عاتقه القيام بمهمة تأسيس دولة قوية، فعمد إلى تأسيس دولة له في الموصل وحلب، لكن ليس كالدولة الإسلامية التي أسست حاليًا التي أدت إلى تشويه الإسلام، ثم رفع راية الجهاد ضد الصليبيين، لكنه اصطدم بحالة التمزق السياسي التي كانت سائدة في المنطقة؛ فرأى ضرورة تجميع القوى الإسلامية، وحشد طاقاتها قبل القيام بأية خطوة إيجابية لمواجهة العدوان الصليبي، فنهض يعمل على ضم هذه القوى المشتتة.

وبعد أن خطا خطوات واسعة في هذا السبيل ونجح في ضم شمالي بلاد الشام إلى إمارة الموصل نهض ليتصدى للصليبيين، ونجح في تحقيق أهم إنجازاته التي بدأ بها صفحة جديدة في ميزان القوى بين المسلمين والصليبيين في المنطقة، وهي استعادته إمارة الرها من أيديهم. وكان لهذا النصر أهميته حيث أثبت قدرة المسلمين على مجابهة الخطر الصليبي، بالإضافة إلى أنه أَمَّنَ حرية الاتصال بين الموصل وحلب، ثم بزر نور الدين محمود بن عماد الدين كشخصية فذة شجاعة، بدأ من حيث انتهى والده، وبذل جهدًا كبيرًا في تجميع الأمة وبعث روح التضحية في سبيل نهضة الأمة، حينها وبعد أن نجح نور الدين في توحيد الشام المتمثلة بحلب نعم حلب التي بقيت عصية الآن وستبقى عصية على بشار وغيرها من القوى الاستعمارية، التي تريد إعادة الاستعمار والتقسيم للأمة الإسلامية، حتى من بعض المفارقة العجيبة المبكية أن في زمن نور الدين وقع مازال لبلاد الشام، كما هو الحال الآن في الشام بفعل الطائرات والبراميل المتفجرة التي أدت تدمير الأخضر واليابس في بلاد الشام، بعدها بفترة قياسية قصيرة فتحت القدس، على يد القائد الفذ الشجاع صلاح الدين الأيوبي، ورجعت بلاد الإسلام عزيزة موحدة من جديد، لهذا يجب على شباب الأمة الإسلامية أن لا تيأس أبدًا بالذي يحدث الآن من قتل وتشريد في عالمنا الإسلامي، فكما ذكرنا يجب أن نكون على يقين وعزيمة وأمل بأن أيام النصر والعزة آتية لا محالة، فأمة الإسلام كما ذكرنا في مقال سابق «أمة تمرض لكنها أبدًا لا تموت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد