المرأة كائن متفرد بصفات كثيرة، هذه الصفات تتفاوت فيما بينهن لتجعل كل واحدة تتفرد بشيء لا تتميز به الأخرى، ولكن إن استغلت المرأة تلك الصفات فيما يجعلها مميزة عن الأخرى، وما تجد نفسها فيه، حينها تبدع، وتربي، وتحب، وتبني، وتوقظ مشاعر المقربين للاهتمام بها بوصفها أنثى لها وجود ثابت ودائم ومحبب لدى الآخرين.

وهذا ما لا تدركه المرأة إلا قليلًا، الكثير من النساء لا يدركن أن الله خلق لكل واحدة منهن صفة وميزة تجعلها تعلو بروحها وتسمو بنفسها على أن تتنافس مع قرينتها،  ولا يحيك في صدرها غيرة، أو تنقلب الغيرة إلى عراك نفسي وصراع بداخلها قد يجعل حياتها تتشتت، بل ربما يؤدي بها إلى حياة جحيمية بكل المقاييس.

وليست الغيرة تطبعًا أو صفة عابرة عند المرأة، إنما هي صفة أساسية، قد تنكرها المرأة بصفة دائمة، ولكن مهما أنكرتها دون وعي ترضخ إليها، وقد يكون رضوخًا إرادايًا أو لا إراديًا، وقد يصدر عفويًا منها دون أن تدري فهو طبع تتميز به عن الرجل، وأقول تتميز لأن كل صفة في المرأة ميزة إن جعلتها هي كذلك، ولكن تتفاوت من إحداهن إلى الأخرى.

ولو نظرنا للتاريخ عبر مر العصور لوجدنا مواقف كثيرة للمرأة في غيرتها، جلبت إليها الكثير من الصراع مع نفسها ومع الآخرين، وقد يمتد الصراع ليدمرها ويقضي على جزء ما من هيبتها حتى لدى نفسها. أو ليجعلها ذات شأن عال، فغيرة المرأة من الرجل جعلتها تبدع وتنجز وتكتشف، فماري أندرسون سنة 1903م هي التي اخترعت ممسحة الزجاج الأمامي، وغيرها كالتي ساهمت في انشطار الذرة، أو التي اكتشفت المادة الواقية في سترة الواقي من الرصاص، في كل ذلك هن يبحثن عن مكانتهن في العالم ولكن المحرك الأساسي هو الغيرة.

ولو جلست المرأة مع نفسها قليلًا لتسائل نفسها لماذا تَغِير؟! لماذا تتملكها تلك المشاعر؟! ستدرك حينها أن الغيرة صفة أساسية لديها، فلا يجب أن تنكرها، أو تخجل منها بل تعي جيدًا أنها صفة قد تجعلها تبدو جميلة وأنثى بالفعل وخاصة عند الزوج، ولكن بطريقة ذكية وغير مرهقة أو أنانية. سيقلل ذلك من توترها قليلًا، فحين يفكر الإنسان يدرك أكثر ويعرف إلى أين تسوقه مشاعره.

وحين تدرك سوف تقنن من دورها في الصراع الذي من الممكن أن تنزلق فيه دون وعي، نعم دون وعي لأنه كما قلنا الغيرة طبع والطبع يغلب التطبع دائمًا. والمرأة تتلمس طريقها دائمًا بعاطفتها وأحاسيسها، ولكن الإحساس هنا عندما يغلب قد يدمر نفسيًا أكثر منه جسديًا.

وبعضهن جميلات بالغيرة، ولكن الغيرة المحببة التي تجعلها تنافس غيرها في أن تظل الأفضل، اعتناؤها بكل ما يخصها، واهتمامها بجميع من حولها يجعلها محببة لدى الجميع، وبذلك هي تنافس على الأفضل من خلال طبع الغيرة لديها، لذا لا تخجلي من غيرتك بل شكليها للأفضل لك ولغيرك.

أما غيرتها على الرجل فهي أشد وطأة؛ فمن الممكن حقيقة أن تقلب المرأة حياتها إلى جحيم عندما تغير على رجلها، قد يحدث العكس تمامًا إذا حافظت على غيرتها بالقدر المناسب، فالرجل يحب الغيرة عليه فهي تجعله يشعر بأهميته لديها وحرصها على الحفاظ عليه أو جذب اهتمامه، وقد تكون بالفعل غيرة لا إرادية تؤدي إلى الضغط على مشاعرها فتنفلت منها الأمور، وهذا ما كان يحدث بين زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا فهن نساء وبشر، ولكن على من كانت غيرتهن كانت على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكن يتنافسن على إرضائه وحبه وقربه وكل شيء، ولكن ماذا كان يفعل هو إذا تمادت إحداهن في الغيرة هل كان ينهرهن؟ لا، بل كان يصبر عليهن، ففي أحد المواقف وقد ذُكر في الموضع الآتي:

«عَنْ أَنَسٍ بن مالك رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ فِي بَيْتِهَا يَد الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ».

وهنا قد فهم أنها غارت منها لأنها قامت بإعداد الطعام فكسرت الصحفة، فابتسم وقال غارت أمكم ولم يترك الخادم يخرج إلا بعد أن تسلم صحفة مماثلة للتي أتى بها، ربما حتى لا تحزن الأخرى، وهنا نجد الرسول وحكمته في التعامل مع القوارير، ففطرته السليمة وخلقه الحسن جعله يتلمس لها العذر ويشعرها بلطف بخطئها، فالغيرة هنا كانت لا إرادية ولكن يجب التعامل بحكمة معها من الطرف الذي تواجهه المرأة حتى لا تخجل من طبع هي خُلقت عليه. وهنا تأتي القدوة من سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام.

لذا عزيزتي لا تخجلي من غيرتك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

غيرتك
عرض التعليقات
تحميل المزيد