نزار الحرباوي
نزار الحرباوي

صحيح أننا تعلمنا في كليات العلوم السياسية ومعاهدها مبادئ السياسة المحلية والعالمية، وصحيح كذلك أننا تعلمنا من الحياة المعاصرة أن السياسة قائمة على المصالح والمنافع، ولكن الذي نحن بحاجة لتعلمه اليوم هو الربط بين ذواتنا وبين السياسة العصرية وأدواتها بصورة تعفينا من التجربة في عالم المحترفين، ومن الاعتماد على التخمين والظن في مواجهة الخطط الاستراتيجية للقطط الاقتصادية السمان، وللسياسيين العالميين المخضرمين؛ أولئك الذين فهموا اللعبة وأدواتها فهمًا صحيحًا حتى ولو لم يكونوا من أبناء المنطقة ذاتها.

بما أن السياسة العالمية اليوم تقوم على المصالح لا على القواعد الراسخة في العلاقات الدولية والاصطفافات العالمية التقليدية، فمن الواجب على النخب السياسية العربية اليوم أن تتقن فن قراءة مفاهيم المصالح المحلية والإقليمية والدولية وتحديد مجالاتها، والتعامل معها وفق المطامع الاستراتيجية، أو وفق المصالح العابرة المرحلية، وبناءً على هذا التحليل الواقعي العقلاني لا المبني على الهوى؛ يمكن للنخب السياسية أن تعرف مصادر الخطر الداهم ومعالم المخططات القائمة، واستراتيجيات وتكتيكات اللاعبين الكبار في التعامل مع المنطقة بالأدوات اللازمة في كل منطقة ومرحلة، وبالتالي أن تعرف ما بين يديها من نقاط قوة ومن نقاط ضعف.

بعد هذا التحليل، يمكن لسياسيي العالم العربي -القدماء والمحدثين- أن يبادروا بصناعة توجهاتهم تجاه القضايا المحلية في بلدانهم، أو القضايا ذات الشأن الإقليمي أو الدولي، أو ما يتداخل منها بين هذا وذاك، ويقيّموا خططهم الذاتية وتوجهاتهم وأدبيات خطابهم بناءً على النظرة المستجدة للتحليل، لا على تحليلات الخمسينيات والستينيات من القرن المنصرم، والتمترس خلفها في عالم السياسة العصرية المتلونة.

وما أود التركيز عليه في هذه المدونة تحديدًا هو رسالة موجزة مقتضبة أتوجه بها إلى الشباب العربي ذوي التوجهات الإعلامية والسياسية، والمهتمين بمجالات العلاقات الدولية، سواء من خلال دراستهم التخصصية على مقاعد الدراسة الأكاديمية، أو من خلال ميولهم السياسية والفردية التي تجذبهم إلى هذه الميادين، وهذه الرسالة مفادها: لا تنخدعوا بغيوم الصيف الزائلة.

بعد أن حصل الاحتكاك بيني وبين الطلبة على مقاعد الجامعات في أكثر من جامعة على مدى السنوات العشر الماضية، وجدت أن لدى الشباب الجامعي من ذوي الميول السياسية والإعلامية والإدارية والعلاقات الدولية مشكلة حقيقية في بناء تصوراتهم وتوجهاتهم السياسية على ما يرونه بعيونهم المجردة على أرض الواقع، والتوجه للحكم السريع على توجهات الدول والسياسات العالمية، وعالم المصالح الدولية؛ بناءً على ما عاشوه بأنفسهم وعاينوه بعيونهم من مشاهد، ونزاعات، ومؤتمرات صحافية، وخطابات الزعماء والرؤساء، وتفاعلات القمم العربية والغربية على حد سواء.

ورسالتي إلى هؤلاء الطلبة والباحثين والمتشوقين لدخول عالم السياسة القذر: رويدكم أيها الشباب! ما هكذا تؤكل الكتف!

إن من يضع السياسات الاستراتيجية يضعها بناءً على مرتكزات الأمن القومي لبلاده في ظرف زمني قد يمتد قرنًا من الزمان، وليس بناءً على مصالح آنية مرحلية تأتي وتذهب، وبناءً على هذه القاعدة وُضعت نظرية القوس، ونظرية بناء إسرائيل، ونظرية إسرائيل نفسها في السيطرة على الرفض العربي لها بوصفها جسمًا سرطانيًّا في قلب العالم الإسلامي والعربي، ونظرية القمح الأمريكي في القارة السمراء، والنظرية البريطانية الاستراتيجية في الحكم والسيطرة، ونظرية التمدد لدى إيران، ونحوها من مخططات استراتيجية واقعة على الأرض منذ عقود.

وانطلاقًا من هذه الحقيقة؛ فليس بالإمكان -عمليًّا- مواجهة المخطط الاستراتيجي التراكمي بخطط عفوية، أو حركات فوضوية، أو تصورات مرحلية، وكما أن الكف لا يمكنه مواجهة المخرز، ولن يصبر السبّاح الماهر أمام التيار طويلًا حتى يبدأ بالانهيار، فالجميع مطالب هنا بوقف العمل والحراك لفترة من الزمن؛ لمراجعة الذات، وتقييم الواقع، وتحليل المشهد من جديد، والتعرف إلى طبيعة التوجه الاستراتيجي والمرحلي، والبناء على الاستراتيجي بوعي لمواجهته، بدل التعب المستمر والاستنزاف القاتل في ملاحقة المخططات التكتيكية المرحلية التي هي جزء غير أصيل وغير ثابت في سياسات الكبار، وهذا ما قصدته تحديدًا بقولي: لا تنخدعوا أبدًا بغيوم الصيف الزائلة.

لقد دفع العالم العربي في السنوات العشر الماضية الآلاف من خيرة العقول الشبابية فيه ثمنًا باهظًا بلا مقابل في أتون صراعات مرحلية تم اصطناعها لتفتك بالنمو المتصاعد للوعي العربي، وبتنا فعلًا -أيها السادة- كشخص يقف على شاطئ المحيط، يحاول أن يضرب موجة بعد موجة منه، فأنهكه التعب والضنك، وأضناه البذل وتغيير سياسات المواجهة والقتال مع هذه الأمواج المتلاحقة، دون أن يفكر فعلًا في طبيعة هذه الأمواج، ولماذا يقوم أصلًا بمواجهتها؟ وإذا تحتمت علينا المواجهة؛ فكيف نختصر الوقت والجهد والكادر البشري في مواجهتها حتى لا نفتك بالكلّ في مواجهةٍ مرحلية؛ لنجد أنفسنا عراة في ساحة معركة أخرى قادمة بعد مرحلة المعركة الأولى التي فقدنا فيها عوامل قوتنا، وانكشفنا فيها كليًّا، وفي كل المجالات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك