لا تنخدع ببهرجة المؤتمرات، والإخراج المبهر، فهذا ما يتقنه هؤلاء، وهو المقصود. ورغم كثرة المؤتمرات لم تزل الأمة كما هي في حالة من التبعية والفقر والتخلف، وعلى رأس هذا يقف الاستبداد.
إن التقدم لا يبدأ من مثل هذه المؤتمرات، ولا يبدأ بالاستثمار الخارجي، إن التقدم له سبيله.

– لا تتقدم أمة إلا بأن تتصالح مع هويتها وعقيدتها، وأن تقيم النظام والقوانين النابعة من هويتها، وتقرر القيم التي تؤمن بها.

– وأن تشكل هذه الأغلبية النظام الذي يمثل الأمة، ويمثل القوى المختلفة.

– ومع العقيدة والهوية لا بد من تحقيق المشاركة لكافة الأمة، مشاركة حقيقية تسمح لها بالحضور الحقيقي، وامتلاك القرار، وتقرير القيم، ونشر الوعي، وصياغة المشروع الحضاري للأمة.

– ومع العقيدة والمشاركة تأتي الإرادة السياسية المعبرة عن الأمة، بقرار الاستقلال والخروج من التبعية وإرادة التقدم واجتياز الهوة الحضارية مع الغرب.

– ومع هذا المشروع لا بد من قرار محاربة الفساد والقضاء عليه لمنع إهدار طاقات الأمة، وصياغة الأوضاع النظيفة والآمنة التي تمنع الطفيليات الاقتصادية، ويتقدم فيها شرفاء رجال الأعمال والأغنياء ليبنوا بلادهم كما بناها رأس المال المنتمي في اليابان وألمانيا وكوريا.

– ولا بد من تحقيق العدل الاجتماعي وإنقاذ فئات المهمشين والفقراء الذين قاربوا أو تجاوزوا 40% من المصريين، وأن تستهدفهم التنمية.

– ولتحرير الإرادة فلا بد من امتلاك الأمن المائي والغذائي والدوائي والعسكري.

هذا هو الوعاء الذي يحفظ الإنتاج والمشاريع ويثمر الجهد التقدم من خلاله. وعندئذ يأتي دور الاستثمار الخارجي ليشارك في دفع عجلة نظام قررته الأمة بإرادة حرة، بما يمثلها، وقررت أحكامها وقوانينها، وقيمها، ونظامها العام المحارب للفساد والدافع للشرفاء ليأمن الناس على أموالهم.
– أما في بلادنا فتسيطر أقلية فكرية أو أيديولوجية أو رجال أعمال فاسدون يمتلكون خطاب العقول ويخدعون بها الشعوب للتغييب والإلهاء، استعان بهم العسكر لحكم البلاد وتأمين مصالحهم الخاصة أو الفئوية.

– ويسيطر على الأمة علمانيون وليبراليون وإباحيون وشيوعيون وأقليات دينية، كلهم يحقد على دين الأمة وهويتها ويسخر منها، ويحتقر قيمها، بل ويحاربها متتبعًا لها، مغلقًا للمساجد ومحاربًا لدعاته وصانعًا لخطاب ديني مزيف يعطيه شرعية. ويصنعون قيمًا مضادة له، ويشوهونه في مناهج التعليم وخطاب الإعلام.

– أما المشاركة فممنوعة على الأمة، فقد أُخرجت أغلبيتها عن العمل العام وجُرّمت، ووضعت النصوص المجرّمة لإقامتها لمنع مشاركتها، وأُخرج غالب الأحزاب الفاعلة وأُخر البرلمان الذي يعطيهم فرصة الرقابة والتعبير عن احتياجات الناس وتمثيلهم.

– المتهمون بالفساد بُرئوا وعادوا إلى مقاعدهم لممارسة نفس الدور واستكمال طريق النهب، لكن بوحشية مدمرة وحقد شديد وبَجاحة لا تستتر.

– الأوضاع العامة للاستبداد والاستعانة بنفس رموز الفساد مشجعة لمزيد من الفساد وانزواء الشرفاء.

– أما الفئات المهمشة فأثقلت بأعباء رفع الدعم وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب والتمييز في الأجور. وأفضل تمثيل لرأيهم واضح في نسبة الانتحار الأخيرة.

– حالة من الانقسام، وسرقة البلاد من قِبل طائفة تفرك يدها فرحًا بسرقة وطن، وتصنع الأغاني والخطاب الديني المزيف تحت القهر، ومشاريع وهمية متتابعة، وانبهار خادع بمؤتمرات يعلم العقلاء أن مقصودها هو أن تنعقد لا أكثر.

مثل هذه الحالة لن تبني أوطانًا، ولن تنقذ أمة، ولن تخرجها من أزمتها.

من شارك في المؤتمر الاقتصادي إما جاء بدافع سياسي ليرعى نظامًا هو شارك في إنشائه ودعمه، حربًا على الثورات، أو فقير عاجز، أو لص محترف يعرف كيف يغتنم تلك اللحظة وهذه الفرصة.

– لا بد أن يعلم الفقير، بل والغني، بل وكل مصري وعربي أن هناك متلازمة بين: العلمانية والتغريب وفقدان الهوية، والاستبداد والفساد، والتبعية والفقر والتخلف، والقرار السياسي لصالح أعداء الأمة، ثم مزيد من التدهور والتفتيت للأمة، ومزيد من امتلاك الغير للثروات والتقدم.
إنها هذه المنظومة:

 

المنظومة

فأين المفر؟

– أخيرًا.. سيبقى الإسلام، وتحقيق هويته وإقامة شريعته واحترام قيمه، وتحرير إرادة الأمة، وقرارها باجتياز الهوّة الحضارية، وامتلاكها قرارها السياسي، كل هذا متلازمة إيجابية تتعلق بها رقبة الأمة وبقاؤها وبقاء دولها، وإلا فهي معرضة للزوال.

بهذا تعرف لماذا يحاربون الثورات العربية ويتآمرون عليها، إذ كانت الثورة هي الحلم، والأداة لفتح الطريق أمام تحرير إرادة الأمة لتعود لهويتها وتبني نظامها وتأخذ قراراتها وتصوغ مشروعها الحضاري المعبر عنها. وستبقى الثورة تقود هذا الحلم بإذن الله، حتى لو صبر الناس حتى ترسو موجة الانقلاب إلى نهايتها، القريبة بإذن الله، حتى لا يظن الناس أن ثمة خير منعتهم منه الثورة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد