في حضور ذكرى المولد النبوي الشريف بالتوازي مع حملات الإساءة له، صلى الله عليه وسلم، لا تكن مثل النبي وتسامح.

وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ

وفمُ الزمانِ تبسّمٌ وثناءُ

ميلاد النبي الكريم محمد، عليه الصلاة والسلام، أجمل ما حدث على هذه الأرض بامتداد تاريخنا البشري عليها، وأروع ما حصل للإنسانية.

نبي جاء بالرحمة للعالمين، نبي كسر جدار العبودية والعنصرية وفوارق الأعراق والألوان في مجتمع كان قائمًا عليها ببنيته الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وحرَّر المرأة ومنحها كامل حقوقها في الحياة والحب والانتخاب والتملك والذمة المالية المستقلة، وأن تأخذ من زوجها ولا تعطي، وأن يتكفَّل بها هو حتى ولو كانت مليونيرة.

مُنحت المرأة في زمن محمد هذه الحقوق قبل أن تعطي أمريكا وأوروبا للمرأة بعضها في النصف الثاني من القرن الماضي بأكثر من ألف وثلاثمائة سنة.

وأعلن محمد حرية الرأي والتعبير والمعتقد التي تتبجح اليوم فرنسا ودول الغرب بها علينا منذ اللحظة الأولى، أعلنها بكل وضوح «لا إكراه في الدين» لا إكراه في المعتقد، في الفكر، في التوجهات، من هنا خلق النبي محمد إنسانا حرّّا، يتطلع نحو الحرية، نحو عالم بلا أصفاد ولا أغلال ولا سياط ترهب مفكري وأحرار هذا العالم.

لكن بشروط وقوانين تعمل عمل شرطي المرور في مراقبة حرية الإنسان في التنقل بسيارته حيث شاء، فهناك سرعة محددة وإشارات ضوئية وممرات للمشاة محددة، كلها تقيّد من حريته للحفاظ على سلامته وسلامة الآخرين منه، لأن الحرية المطلقة كالصندوق المفتوح الذي تطيِّر الرياح كلما اشتدت ما بداخله.

كان النبي أجمل الناس خلقة وإطلالة، كان وجهه يطفو بقسماته البِشر والوسامة والجمال – عكس ما تدعي الرسوم المسيئة – وكان أكثر الناس تسامحًا مع الإساءة والمسيئين، وأحلم الجميع فلا يغضب لنفسه، لكن هل يجب علينا الآن كأمَّة تتكون من ملياري مسلم أن نعفو عمَّن يسيء إليه؟!

النبي إذ كان يعفو فقد كان يعفو عن شخص أساء إليه شخصيًّا، بعيدًا عن الديانة والرسالة التي يحملها، في حدث معين وموقف محدد، وكان النبي يتوسَّم بفراسته إمكانية إسلام هذا الشخص المسيء له؛ فيعفو عنه ويزداد النبي علوًّا وإجلالًا بذلك، ويدخل قلب ذلك المسيء الجاف الذي تربَّى في بيئة لا يصفح بها أحد عن أحد بدعوى الشرف، ويُرد فيها على الإساءة بالسيف بلا تفكير. لكن اليوم الوضع مختلف تمامًا، فحالة الانهزامية والخذلان التي يروِّج لها بعض الشيوخ والمفكرين في أوساط الشباب، وتعمل على ترسيخها وسائل إعلام بعض الدول العربية هروبًا من أيّ مواجهة مع قوى خارجية، هي توظّفهم في الأساس وتضمن بقاء من يشغّلهم، غير الشرعي، في قصور الحكم على حساب إرادة تلك الشعوب.

اليوم حملات الإساءة تتعدى شخص النبي الكريم ولا تهدف حتى للنيل منه بقدر النيل منا، والنيل من كرامة دول وشعوب بعينها من خلال الإساءة لرموزها ومقدساتها.

ومن حق هذه الشعوب الطبيعي أن تنتفض، أن تتحرك بالطرق والأساليب السلمية، فالمطالبة بسن قانون عالمي يُجرِّم الإساءة لمقدسات ملياري إنسان عمل حضاري، والمقاطعات أسلوب حضاري بامتياز، ومسيرات الاحتجاج السلمي أسلوب تتبعه الشعوب الحية، ووقفات الاحتجاج والتنديد السلمي أمام السفارات أيضًا كذلك.

من حق هذه الشعوب التي تُصوَّر بأبشع الصور في الغرب ويُساء لها بشكل موسمي ودوري لزرع فيروس «الاعتياد» على الإساءة والإهانة في جسدها مع مرور الوقت فلا تنتفض هذه أمام محاولتهم في المستقبل باقتلاع هويتها وإرادتها وتشكيلها على ما يضمن مصالحهم.

من حق هذه الشعوب أن تتحرك نتيجة ما حلَّ بها من ألم، وألا تتخدر بمفكِّر يحمل عَلَم الإنسان الكوول – cool – ويمشي به بين الشباب ويطرح عليهم الحل الأسهل والأنسب للأعصاب، هو بكل بساطة أن تطفئ التلفاز وتغلق مسامعك عما يحدث، وتسامح بدقيقة وتكمل انشغالك بشؤونك الخاصة، ولا تنفعل كثيرًا فالنبي ما كان ينفعل.

هذه هي نتيجة هذا الخطاب المتخاذل الذي يُروِّج له الآن ويتبنّاه إعلام بعض الدول العربية البعيدة كل البعد عن واقع شعوبها.

لذلك عزيزي القارئ، وفي الختام، يجب عليك ألا تسامح، وبالطبع ألا تحمل حقدًّا شخصيًّا على أحد، ولكن صراخ الإنسان من الألم، ونزيف المذبوح، وانتفاض جسد المشنوق والحبل يعصر رقبته، كلها ردَّات فعل طبيعية لا تدع أحد يسلبها منك في محاولة لقتل إنسانيتك واقتلاعها على الصامت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد