لي جارٌ جديد لا تفوته صلاةٌ في المسجد. وقف نفسه للعبادة، وأخذ من الآية الكريمة: «ما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون» خصوص اللفظ ولم يأخذ عموم المعنى وهو الطاعة. بعيد نزوله في المبنى انقطع مصباح مدخل البناء المؤدي إلى درجٍ طويل مظلم. وقد بُرمج أصلًا ليضيء نصف دقيقةٍ لدى استعماله من قبل أحد الداخلين إلى المبنى الذي يضمّ أربع عوائل فقط. وحين استفسرنا قيل إن القادم الجديد هو من قطع المصباح لأنه يخرج من شقّته.

ليته يدرك أنّ ما يستهلكه المصباح ولو أضاء ساعةً في اليوم، لا تعادل دقيقةً واحدة من استهلاك السخان الكهربائي الذي قام بتركيبه. الأنكى أنه وولده يستعملان الدرج عشرة أضعاف استعماله من بقية القاطنين. وكلّما أغلقا بابًا نحسب أن انفجارًا وقع بنا من عنف ارتطامه!

كان السخاء من سمات الحرّ قبل الإسلام، لأن العبد كَلٌّ على مولاه. وأما الحرّ فيوقد النار أمام بيته ليستهدي بها التائه ويطعم الجائع ويؤوي العابر ويغيث الملهوف. أي جارنا، هلا تحررت قبل أن تُسلم؟! وجعل الإسلام من إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ومن إلقاء السلام صدقة، ومن التبسم صدقة. أي جارنا هلا أسلمت قبل أن تتعبّد؟!

ولي عزيزٌ معروف بالنخوة والتُقى وحُسن المعشر. بين العمل والعبادات والتواصل مع الأحبة لا يبقى له وقت لوالديه. فقد يمرّ الشهر دون أن يتصل بهما مرةً مع أنهم في المدينة نفسها، معتذرًا بشتى الأسباب. فإذا مرضا أو دخلا المشفى، سمع عنهما من الأقارب. سألته هل تزور والديك العجوزين بقدر زياراتك للأولياء؟ فأفحمني بإجابته الإيمانية التي تقطر تقوًى والتزامًا بالمناسك: زيارة الأولياء واجبة.

اقرأ في هذا الصدد: نقد الخطاب الديني

ليته فهم روح الدين وليس ظاهره. أحبّ الحديث القائل «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضتُ فلم تعُدني. قال: يا ربّ، كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟ قال: أما علمت أنّ عبدي فلانًا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده». ما فائدة عباداتك وأنت تقاطع والديك؟ حتى الملحدين يعتنون بوالديهم من باب المودّة والرحمة، ويحرصون على مرافقتهما إلى الأطباء والأسواق. وذلك أولى من ارتياد المزارات.

وقد ابتُلي المسلمون بنصيبٍ وافر من دواعش الفكر المنتظمين في أحزاب، من الذين يبطنون ما لا يظهرون ويُلبسون الحقّ بالباطل ويكتمون الحقّ وهم يعلمون. ألفوا استحمار الأصدقاء من الصغر، حتى باتوا أساتذة في استحمار الشعوب عند الكبر.

وأظهر أمثلتها «مافيا» الأحزاب الدينية التي نشبت أظفارها في العراق، وأوقدت نيرانها في هشيم البلاد فأحالته إلى رماد. حثالات اتخذوا من الدين ستارًا، ومن السرقة صنعةً، ومن الكذب وسيلةً في تمرير مآربهم على أتباعهم من المنتفعين الأصغر فالأصغر وصولًا إلى سواد الشعب المغلوب على أمره.

زعموا خوض الانتخابات بشرفٍ والقبول بنتائجها. ولما افتضح التزوير وفاحت رائحته حتى زكمت الأنوف، قرروا إعادة فتح صناديق الاقتراع وتفتيشها. وفي ليلةٍ كان قمرها مُحاقًا أحرقت صناديق انتخاب البرلمان (وليست صناديق اختيار مختار الحيّ) ومُحقت حواسيب العدّ والنتائج بعمل يثير كماله الإعجاب، في بلدٍ لا يكمل فيه غير أعمال السرقة والتخريب. وذلك في مخازن مفوضية الانتخابات، التي يفترض فيها قمّة النزاهة فإذا بها تبلغ الحضيض. في عراقٍ ارتضى أهله الحضيض مع العبادة.

فاعلها لم تردعه صلاته وصيامه ومواظبته على المناسك كلّها عن الفساد، فأدخل البلاد في أتون فوضى عارمة وهدر المليارات من أموال العباد. لهذا كلّه أقول: المتدين بأخلاقه، وأما عباداته فبينه وبين ربّه. أخلاقه إما تُحبّب الناس به وبدينه وإما تجعلهم يستعيذون منه ومن دينه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد