لوَهلةٍ قد يَظُنُّ المرْءُ أنَّ حياتَهُ تَسيرُ وِفقًَا للصَوابِ ونَحو دَرْبِ الصَلاحِ، ولكنَّ الحَقيقة حِيالْ ذَلكَ التَكهُّن رُبما قدْ تَكونُ مُفجِعةً إلى نَحوٍ مُخيف، بل قدْ تدفَعُ المرءَ إلى حَافة هاويةٍ تُسيّرُهُ نحوَ سرابٍ يَسْتَتِر برِداءٍ من وَرَعٍ كاذب، وحينئذٍ تَنقلبُ الآية على عَقِبيْهَا، فَيغْدُو ما يُفنيهِ المَرءُ طوال حَياتِه هَباءً مَنثُورًَا كما تتناثَر كُثبانُ الرمال في يَومٍ عاصفٍ، في حين أنَّ المرءَ نفسهُ قد يَحسَبُ نَفْسَهُ على صَلاحٍ بينما حقيقةً، هو أوَلُ مَنْ يَتَخَبَط في ظِلالِ ضَلالِهِ وآخِرُ من يُدرك ذَلك! ورُبما لنْ يَسْتَفيقَ من غَفْوَتِهِ هَذهِ إلَّا بحُلولِ سَاعَةِ الغَفْلَة رافِعَةً القَلَمَ عَنهُ!

فمُذْ استنَارتْ عيناي على طَبيعَة تلك الحَياة بما تحْمِلُه من حُسن مَتاعٍ وكَمالٍ في الصُنعِ بديعٍ وَصَلَ حَدَّ الإتقان، وحَتى منْ قَبلِ أن اُدرك إدرَاكًا يَمسُّ قَلبي أنَّ لله في ذلكَ الكون سُننًا جارية هِي عَلى عِبادِه سَارية أوْ أنَّ تلكَ الحَياة يومًا ما بصَدَد الفَناء وأن كُل مَنْ عَليها فَان! بينَ ذلكَ كُنتُ دومًا أتفكّرُ. لماذا قد يَعْكِفُ الإنسانُ على أصنامٍ خُلِقَتْ من فِعْل صنائِع يَدَيه حتى صَارَ وبدونِ علْمِهِ يَسجُد لها من دوُن الله!

ذكر الله تعالى في مُحكم التنزيل «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ». لقد صارت تلك الآية مرآة تعكس واقعًا مُفجِعًا ومحورًا عظيمًا يرتكز على أرضٍ صلبةٍ غير هَشَّةٍ في تفسير ما باتَ يحدث اليوم، فيُرى هُنا من قد نَافسَ حُبه للمال حب الله! حتى صار عبدًا يعكِف عليهِ ويعلَقُهُ بلسانهِ! وهُنا يُرى من يتقرب لأولياء الله الصالحين أكثر من تَقرُّبه إلى الله نفسِهِ! وهُنا من يُصرُّ على صُنع وثنٍ يُلقَّبُ بالفرعون حتى يُعظّمه حد التقديس في مفارقة يغيب فيها المنطقُ عن التفسير! حتى صِرت لا أدري في أية لحظةٍ تحديدًا انكشَفَت حقيقةُ ذلك المشهد! ولكن ما اعِيِهِ تمامًا أن اتخاذ النِدّ مع ذات الله هو إشراك! حتى إن النص القرآني حيال النهي عن ذلك كان صريحًا «فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ».

وللتوغُلّ بعُمقٍ نحو صميم المقال، بدايةً، هل سَبَقَ وأنْ سَجَدتَ للصَنم الذي يَتَعَشَّش بدَاخِلك؟ رُبما ذَلكَ السُؤال قَدْ لا يُفهَم مَقصِدُهُ فِي الحَال ولَكِنْ مَاذَا إن تَبيَّنَ لك أنَّـك قَدْ ولَّيْتَ قِبْلَتَكَ نَحوَ ذاكَ الصَنم في خُضوعٍ تَامٍ، حتَّى صِرتَ تَسجُدُ لهُ ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانيةً، جهرًا وخفاءً. بطبيعة الحال أمرٌ مُخيف والأكثَر إخَافةً على الإطْلاق يكمُن فِي آليّة توغّلهِ نحوَ لُبّ النَفس البشَرية تَمامًا حيثُ يُنحت وثنٌ يُقدّم له القَرابينُ ويُضْمَن له كافة سُبُل التَقَرُّبِ.

هل تساءلت يومًا كم من مرةٍ شَرعتَ فيها بالسُجود لصَنم الاختيَال وحُب الذَات المُطلق، كم من مرةٍ أرخَيتَ سِتارًا من غِشَاوة على عَينيك كي تَسجُد لصنم الشَك المَرَضي وسُوء الظَن، كم من مرةٍ أخذتك حَمِيَّةُ الجَاهِليَّة كي تسجد لصنم أحادية الرأي وفرضية التعصُب المُتعجرف، كم من مرةٍ استرقت فيها حق أحدهم مُبادرًا بالسجود لصنم السُلطة وذاتية التملّك.

كم من مرةٍ اقحمت نفسك فيما لا تفقه كي تسجد لصنمٍ اختَلَقْتَهُ بنفسك يُدعى أنا أعلم حتى وإن لم أكن أعلم، وبالمناسبة قارون أيضًا كان يعكِفُ على ذاكَ الصنم حينما قال «إنما أوتيته على علم»، كم من مرةٍ قَصدْتَ مَسالكَ العارفينَ في أمرٍ ما ليكون فقط كُلُّ قَصْدِكَ هو مدحٌ مُتكلّف وزينةٌ وتفاخر! في حين أنك تسجد لصنم يحترق حيًا بداخلك يُدعى الاستعراض وحُب تقديسِ الذَاتِ من الآخرين.

كم من مرةٍ وقفتَ عن الترحال صوبَ أحلامك إلى أن صِرت تعكِفُ على صنم الإبلاس والقنوط التام، كم من مرةٍ تمردت فيها وأعرضت عن معرفة حقيقة أمرٍ ما فقط كي تسجد لصنم بائسٍ يُدعى الاستكبار والاستنكاف، كم من مرةٍ وددت لو تنقطع كافة سبل الوصال بين الخير وبين من يَنفرُ قلبكَ من ذِكرهِ فقط كي تُطفئ نيران قلبك المُستعرة وتسجد بإرتياحية تامة لصنم ينفُث الحِقد والغيرة العمياء، كم من مرةٍ خُضتَ في أعراض الآخرين كي تسجد لصنمٍ يكبُّ الناس على وجوههم في النار من نتاج حصائدِ ألسنتهم ويُدعى الغيبة والنميمة، كم من مرةٍ تسلطت فيها على نيّات الخلق كي تسجد لصنم يُدعى الترصُّدَ والفضُول! كم من مرةٍ بقيت بمحض إرادتك على ضلال بلا هُدى فقط كي تسجُد لصنم مُخدّرٍ  يُدعى الغَفلَة! وتأكد تمامًا مثل نورِ قُرص الشمسِ في صبيحة النهار أن لا هُدى لمن اختار أن يعيش في جَنَباتِ الضلال.

كم من مرةٍ تسَتَّرت تحت ظلال الكذب كي تسجد لصنم كبريائك وعظيم سُلطانك المُبجّل، كم من مرةٍ أمكَنكَ الإصلاح بين ذَاتِ بين البَين وفَضّ النزاع ولكن لم يطأ لك طرف وأنت تسجُد لصنم الفتنة! هل تساءلت كم مرةٍ صَدَدتَ عن قول الصدق ووصَّدْتَ باب فمكَ كي تسجُد لصنم يحتمي بك ويستتر بداخلك اسمُهُ الخوف! كم من مرةٍ كبّلتك حبالُ شهواتك حتى صرت عبدًا ذليلًا خاضعًا خانعًا لها إلى أن عكفت عليها حتى صارَ أنفُكَ في بطن التُراب وحول عُنُقك الأغلال.

برَبِّك أخبرني كم مرة داهنت فيها أحدهم وأضْمَرتَ ما في قلبك كي تسجد لأشد طواغيت الأصنام على الإطلاق وكنايته النفاق المُبطَّن بالود والتآلف، أخيرًا كم مرة قَدِمت فيها على عملٍ وأنت على يقينٍ تام بعدم صلاح نيـَّـتِكَ فيه، فقط كي يُقال عنك حُسْنُ الكَلِم من أناسٍ زائلين وبكلمات زائفةٍ لتُعطى سجدةً سريعةً لصنم يهوي بك إلى شفا حُفرة من النار وهو يُدعى الرياء! والأمثلة لا تُعد ولا تُحصى بل وتتهافت بحشود غفيرةٍ مستنفِرةً من كلِ حدب وصوب!.

ولعلَّ في أحيانٍ كثيرة قد لا يُدرك المرء أنه يَخِرُّ راكعًا لصنمه، ولكنْ ما إن تم حَجرُه عن ذاك الصنم وليكن صنم الشهوة أو أيًا من تلك الأوثان الماجِنة، حينئذٍ عن لا وعي سيُلاقي القَبول بردود فعل قاصِمة وأقربُ مثال يُرتكز عليه هو ما فعله إبراهيم – عليه السلام – بالأصنام التي عكف عليها قومه، وقتئذٍ كُسر لدى قومِهِ صنمُ الكِبر والإختيال قبلَ أن يُكسر صَنَمُ الآلهة المزعوم، وكانت النتيجة أنهم قذفَوا به في النيران المُتضرمة كي يسجدوا لصَنَم الإنتقام قبل أن يسجدوا حدادًا على صنم آلهتهم الفانية، وعليها فإن لزوم تأكيد عكوف شخصٍ ما على صَنَمٍ من عدمه يُستدل لحظة انتزاع ذاك الصَنَم قسرًا وقهرًا منهُ، فإن استمطر العاكِفُ بوابلٍ من هجومٍ غاشم وعاسِف، فوقتئذٍ يكون قلبهُ ما زال مُعلّقًا بذاك الصَنم وأقربُ مثالٍ حيالَ ذلك قد يُبصرهُ القلبُ قبل أن يُرى رأي العين، فكم من شخص كان يسجُد طوعًا للمال حتى وإن صَرَفَه أحدٌ عنه بَادَرَ بقتلِهِ! في عديد من الأحيان النفسُ البشرية قد تتجاوز متاريس المَنطق فقط كي تُكبّر وتهلل للصنم الذي يتفشى في قلبها كما يتفشى الطاعون الطاغي في سائر الجسد. بل في أحيانٍ أخَر قد يصدرُ عن النفس البشرية أفعالٌ، النفسُ ذاتها قد تُصدمُ منها! في الحقيقة ما تعرفهُ عن نفسِك ما هو إلا قُشور تجلَّت تضاريسُها من عدة مواقف أو أحداث! أما ما يكمُن أسفل تلك القشور، فإن خُروجها من رحم الحياة قد يُكلّف أفعالٌ طائشة غير سويّة، وذلك يُفسر لماذا مَنْ يُحرم منْ التذلل لصنم حُب المال قد يُبادر بقتل من حَرَمَهُ منه! ومن هُنا يتضح أن الإنسان ما إن لم يتملص من هوى صَنَمِهِ فإن الأخير سيهواهُ كثيرًا وإن استهواه فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي ذلك الطَرح يكون القصدُ هو، حتى وإن قَهَركَ صنَمُك يومًا، فقط تذَكَّر أننا في الأخير بشر وكُلٌ صاحب زَلَـلٍ وتعثُّرٍ، وذلك ليس بعيبٍ، إنما العَيبُ على من يُعرِض عن مُصارحة نفسِهِ ومُصالحتها، من يغضُّ الطَرْفَ إعراضًا وازورارًا، من نأى بقلبهِ عن كُل صَحوةٍ صادقةٍ وصيحةٍ جارِفةٍ، من يرتقي كل يومٍ درجةً على مِنْبَرِ المَوتِ حتى صارَ أقرب إليهِ من حَبلِ الوَرِيد، بينما هو في غيِّه وضلاله القديم!

تذكر دومًا أن كَثرة الأصنام في القلب الواحد تورث في القلب عصيانًا وقسوة، وإن قسى القلب فلا صلاح للنفسِ، وإن سألوكَ عن الصلاحِ فإنَّ صلاحَ القلوبِ هو الفلاحُ، فالقلبُ يُحبهُ الله طاهرًا، والأوثانُ ما تزيدُهُ إلا دناسةً ووضاعةً.

إذن، لا تترك نفسَك هكذا، احمِلْ خلف كَتِفِك فأسًا وشُدّ الرِحَال صوبَ مُستعمرةِ قَلبكَ وكَعبةِ نفسك التي تطوف حولها، وبعزيمة يَخرُّ منها عظيمُ الجبالِ، قم بكسر كُل صَنمٍ مُتغلغلٍ دسَّاسٍ هدامٍ استوطنَ قلبكَ وتشرّبه، وبكلمات خُتمت برحيق من نور، كُن على يقينٍ أنَّ من كان اللهُ آخرَ مقاصِده لم يكن ليَصِل، ولو كان هو من يتصَدَّرُ.
ومن كان اللهُ أولَ مقاصِده، وَصَلَ لبرِّ النجاةِ، ولو كان في تُراب الدُنيا يتذيلُ!

أخيرًا، لا تُزاحم قلبكَ بالأصنام فإنها تسحَبُك في هدوء تام إلى صمتٍ نشازٍ تمامًا مِثل الذي يسبقُ صمتَ العاصفة الضارية! أما بعدُ، وعلى سبيل السردِ، فإن جَرَفَكَ التيارُ وحَمَلَكَ على أن تسجُدَ لَصَنَمكْ، فلا تسُجد! فإن سجدت فلَرُبَّما لن تسنح لك الفُرصة يومًا كي ترفع رأسك مجددًا!.


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد