لكل عصر من العصور آفاته وشذوذه ودواهيه، ولقد ابتلينا في هذا العصر صراعات دينية، وأمة تتكسر كل يوم إلى ألف تنظيم وحزب وحركة؛ يحركهم اختلاف أعمى في أمور الدين، وكل حركة بما لديها فرحة مستبشرة، فقدوا البصر والبصيرة لدرجة أصبحوا مخدرين بهروين التعصب، فلا يسمع أحد أحدًا، ولا ينظر بعين الإنصاف أحد لأحد، يقرأون بضع كتب وعدة نظريات ويحفظون بعض المنظومات، فيتصرفون كأنهم حووا علم الدين كله يفتون ويستفتون فضلوا وأضلوا.

واذا أمعنت النظر ترى أنه لا يخالف أخيه إلا أشياء طفيفة سطحية، ويفترق عنه في الفروع فقط، ومن الطبيعي أن نجد في ظل هذه الاختلافات جدلًا ومناوشات كلامية، غير أن جل المجادلين أيضًا تناسوا آداب الحوار وأساليب المناظرة، وأكثروا جدلًا لا يمت ماهية الجدل في ديننا بصلة، ويدعي مدع أنه يدافع عن الإسلام والإيمان ومسائل الدين بالشتم والتعنيف والتقبيح من يجادله، بل بازدراء، يتتبعه ليكشف عوراته بمحبة ويستزيد خشونة ليرى الذي أمامه أو الذي يختلف معه خصمًا، وينظر في المسائل كأنها ساحات نزال لا أكثر.

فيكشر أنيابه ويرفع صوته ويتبجح إن مال صاحبه قليلًا، وأظهر الضعف في لجاجته بثقة مفرطة خاوية، ويمشي بين الجموع مشية الفائز في معركة النهاية. وأنت تشاهد مثل هذا الحوار الساخن يأتيك بعض التساؤلات متى كان الدفاع عن الإسلام هكذا! بل من أين يأتي هذا الشخص بهذه الأساليب العجيبة الغريبة؟ أكان النبي صلى الله عليه وسلم جادل مشركي قريش بهذا الشكل؟ ألم يكن عليه الصلاة والسلام يرد على شبهات اليهود بألطف التعابير وأعمق المعاني بوجه بشوش هادئ يوحي بالعلم والثقة؟ أكانت الصحابة أخذت هذا المأخذ القاسي وهذا المنحنى المعوج؟ فيبرز لك حينها جواب بين واضح تتذكر قصة ابن عباس مع الخوارج، وقول علي رضي الله عنه: (إنهم إخواننا قد بغوا علينا).

يا سبحان الله خوارج سفكوا دماء الصحابة قتلوا الأطفال والنساء، ولم يتنازل علي رضي الله عنه عن أخوتهم، إذًا فمن أين لنا هذا السلوك العقيم المشحون بالشرارة والسخونة التي تصل حدود الوقاحة! لقد جادل شيخنا ابن حنبل أعنف المجادلات ولم نر في التاريخ أنه شتم أو حتى حمل في قلبه الضغينة، وهكذا ابن تيمية وابن عبد الوهاب وكل سلفنا، هكذا كانوا يجادلون أولًا بأدب، ثم يجادلون لأجل مغزى شريف.

والداهية في زمننا أن الجدل ليس إلا ساحة حرب يحكم في النهاية خاسر وفائز؛ والخاسر مهما كانت معه الحجة أو مهما كان في قلبه بصيص من الحق يخسر أيضًا تحت حوافر الفائز.. أهكذا الإسلام يا سادة؟ أبدًا؛ لا تأمر الفطرة مثل هذه الأساليب، ولا مثل تلك الأخلاق، ومن سلك ذاك المسلك، لا شك أن الجهل يغدي شريانه؛ لا جواب غير هذا متاح لنا لنقتنع من منبع أفعالهم وتبجحاتهم واستعراضاتهم البلاغية. لو كان من العالمين لما ألبس الإسلام عطشه للجدل والنقاشات الوقحة.

لو كان من العالمين لاكتفى ببيان العلم الصحيح والقول السديد مساندًا جدله ببراهين وأدله تحتمل الاستدلال مبتعدًا عن نظر الأمور بقالبها الشخصي.. لو كان من العالمين لكان تحدث مع المسألة وغض بصره عن السائل.. لو كان من العالمين لكان قد تنازل بكل شرف منصة الجدل إن لم يصل إلى نتيجة ذات فائدة، تنازل للذي منه أعلم ليبلغ الكلام مبلغهأ ولكان سبب تنازله عطفه على ذاك المجادل الذي لا يسير بوجه حق أن يعود إلى دائرة الصلاح بيد من هو أقدر منه الكلام.

لا ضرر ولا ضرار ولا مشادة في الإسلام، فالقلوب بيد الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس لنا إلا أن نعبد الله على بينة وعلم ثم النصيحة للذي حاد عن الطريق. ما أجملنا ونحن أبناء السحر نقضى دقائق الليل قيامًا وقراءة وتسبيحًا تغدي القلب، نواجه زوايا الحياة بحسن النية والصبر وحب الله ورسوله وحب خلق الله، وإن تخالفنا معهم في أمر ديننا، رددنا المسائل إلى أهلها إلى منهم أعلم منا، وإن قررنا أننا أهل للجواب وأنا وصلنا مرتبة الفتيا بعد حمد الله، أن نفتح المسائل بأسلك سبلها وأقوم أساليبها ونوالي اهتمامًا بالغًا للذي أمامنا، ونشربه من الرعاية ولطف الكلام ما نقتل المارد الذي في رأسه، فإن سمع منا ورجع إلينا ضممناه إلى صدرنا وقبلناه.

فليس من العيب أن يتساءل شخص ما حول مسألة ما في الإسلام، وليس عيبًا أن يخالفنا في رأيه عن بعض الأمور، وننتهي من مجادلته بالحسنى نتيجة شيقة، ونعود إلى ديارنا ونحن في وحدة لا فرقة، أما إن لم يسمع منا النصيحة واشتد في موقفه وازداد عنادًا ويئسنا من إرشاده؛ ندعو الله عنظهر القلب بكل محبة أن يهديه ويريه الحق أينما كان، بدون أن نلدغه بتجريح ولا تقبيح، وبدون أن نلبسه لباسًا فصلناه على أهوائنا من بدعة وكفر وفسق ونفاق؛ كأن الله ملكنا مفاتيح مسميات عباده.

لا ضرر في الإسلام ولا ضرار، ورب باحث حق ضل السبيل ويحتاج إلى جذوة مضيئة من النصح ليعود من جديد، ورب مجتهد أخطأ فأثابه الله لنأخذ اختلافاتنا عن بعضنا بروية وثريث وحكمة، فلا شيء أسوأ من الفرقة، ولا شيء أحوجنا اليوم من الاجتماع، وتماسك بعضنا بعضًا، فلا أحد يحجب الله عن أحد، وكلنا سواء ببابه، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, ضرار, ضرر, لا, ولا
عرض التعليقات
تحميل المزيد