إننا لا نرى الخطأ إلا عندما تمارسه امرأة

في إحدى الصفحات الفيسبوكية المتعلقة بالكُتب والقراءة، سأل أحدهم بقية الأعضاء عن آخر كتاب قد قرئ؟! انهالت الأجوبة .. فكانت إجابة إحداهُن – تدعى ياسمين – رواية “نسيان”! مُضيفة إلى ذلك القليل من القلوب الزرقاء.

رد صاحب السؤال: عزيزتي ياسمين كان سؤالي عن آخر الكُتب، وليس عن آخر التفاهات.. حينها كنت أود لو أني أستطيع الرد عليه، لكني لم أعد أحبذ النقاش الإلكتروني؛ إذ إني جادة بعض الشيء، وأعتبر أن النقاش الإلكتروني نقاش الجُبناء.

بالأمس كنت في نقاش فعلي مع صديقتي وفاء التي تقرأ لإبراهيم نصر الله، رضوى عاشور، جورج أورويل وغيرهم.. بعد أن رأتني أمسك برواية “مدن الملح” راحت تُمجد عبد الرحمن منيف، موضحةً أنها لم تعد تحبذ روايات الحب أو المراهقين -حد تعبيرها – تحدثتنا عن الكتب والدراما، وفي المنتصف تطرقنا إلى علاقة السفر بالثقافة، فتناولنا الحديث عن صديقتنا التي سافرت إلى تركيا للدراسة، فخلعت الحجاب بمجرد أن وطأت قدمها أرض عُثمان، أخبرت وفاء بأني وعلى الرغم من أني لا أحُب التغيير الجذري، إلا أنني لا ألقي اللوم على أحد، وخاصة إن لم أكن أخضع لنفس التجربة.. كانت قد استجابت لما أفكر به، عاودتُ القول: حقيقيةً يا صديقتي إن علينا خوض معركة التغيير تدريجيًا.

وعلى الرغم من الخلاف الودي في بعض الأمور وتبادل الأفكار مع صديقتي، إلا أن الشيء الوحيد الذي لا يمكننا الخلاف عليه أن كلتينا قد قرأتا لمستغانمي، وكانت تلك الكاتبة السبيل الطويل لما نحن عليه الآن.. لذا أرفض شتمها أو السماح للآخرين، حتی وإن كانت الروايات الثلاث لمستغانمي متطابقات فكريًا وقصصيًا – تواضع قصصي – ولا تحوي أية أطروحات إنسانية أو حياتية أو اجتماعية باستثناء حب ضائع وعلاقات غرامية مبتذلة على طريقة الدراما التركية.

مطلقًا لا أدافع عن مستغانمي كآدب متمرس، ولكني أدافع عنها كامرأة، عزيزي المثقف لا أحد يجبرك على أن تقرأ لها، كما أن أخلاق المثقفين – حد ادعائك على نفسك – تجبرك على أن لا تشتم الآخرين أو التدخل في معتقداتهم وفلسفتهم.. أليس أنت الذي تخرج في المحافل الثقافية مرددًا هذه الشعارات؟

ذات يومٍ كتب إبراهيم جابر إبراهيم مقالًا تحت عنوان “توقيع الكتب بأحمر الشفاه” كان يقصد مستغانمي حين حفل توقيع كتابها في معرض الشارقة وكنت أتساءل ما الذي يزعجه في أن تلتقط صورًا مع معجبيها، وإلقاء النكات على الرغم أن الكثير من الكُتاب يمارسون ذلك مع المعجبين، أم أنها لكونها امرأة نرى الخطأ!

كتب أيضًا في مقاله أنها تعثرت في كتير من الأخطاء الإملائية أمام الجمهور، بينما هي تُلقي كلمتها، حينها تسلل صوت ذلك النُاقد – لا أذكر اسمه – في إحدى الأمسيات حينما كانت الشاعرة ترتجف وقف من مقعده، قال لها بهدوءٍ: نزار قباني كان يتلعثم في إلقاء قصائده أما الجمهور فلا تقلقي يا عزيزتي.

من وجهة نظري أن مستغانمي السُلمة الأولى في عالم القراءة – لا محال – حتى أني على يقين أن صاحب السؤال في ذات يومٍ قد دس رواية “ذاكرة الجسد” أو غيرها تحت وسادته علّ الكلمات تتسلل إلى عقله وتتحول إلى فيلم سينمائي قصير يراهُ في الحلم.

لا أستطيع إنكار إخفاقها في أعمالها الأخيرة “الأسود يليق بك” و”عليك اللهفة” إلا أننا أيضًا لا أستطيع إنكار أنه الوصل.. أي أنه لا يمكنك أن تصبح قارئ متمرس دون أن تقرأ لها تمامًا، كما أنه لا يمكنك أن تدخل المرحلة الإعدادية في الدراسة دونما الخضوع للمرحلة الابتدائية .. لا يمكنك أن تصبح رجل دونما أن تكون ولد وهكذا.

حتى القراءة تحتاج إلى ذلك، لذا أيها المتمرسون لا تأكلوا اليد التي مُدت لكم في وقتٍ ما، ففي الحقيقة لا أنكر فضل تلك السيدة عليَّ، أعتبر إنتاجها فيلمًا مكتوبًا بعضنا بحاجة إليه بعد منتصف الليل مع علبة الفشار.. وعلى الرغم من أني لم أعد أقرء لها، إلا أني لا زلت أستمع لجاهدة وهبة بعض الأغنيات – كلمات مستغانمي – ولا زلت أقول لذلك الرجل الذي أحبه: سأنجبُ منك قبيلة.

فيرقص فرحًا.. وتنتصرالتفاهات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, الرأي, مقالات
عرض التعليقات
تحميل المزيد