في قصة نبي الله يوسف – عليه السلام – ترد هذه الآية المباركة على لسان أبيه يعقوب – عليه السلام – وهو يوصي أبناءه الأحد عشر في توخي الحذر عند ذهابهم إلى مصر مرة أخرى، بعد أن رُدت بضاعتهم إليهم، وطلب عزيز مصر منهم أن يأتوا بأخٍ لهم من أبيهم، وهم لا يعلمون بأن العزيز هو أخوهم، الذي ألقوه في غيابة الجب، وتتلخص وصية الأب لأبنائه بعد محاورة معهم، عن خوفه على ابنه من الفقدان، كما فقد يوسف من قبل، ليطلب منهم كما يصفه – تعالى – في محكم آياته {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}.

سبب هذا الطلب

يرى البعض بأنه خاف عليهم من الحسد، ومن أعين الناس، ولكني لا أرى هذا السبب مقنعًا؛ لكونهم سبق وأن دخلوا مصر للتجارة، والأولى أن يطلب منهم ذلك من أول زيارة وسفرة لهم، لا بعد عودتهم ونيتهم للرحيل مرة أخرى، وعندما تتعمق قليلًا في تفاصيل قوله – عليه السلام – تجده كان يشعر بأن أبناءه قد يتعرضون إلى السجن، وخاصة وهم في بلدٍ غريبٍ عنهم؛ ولهذا فهو لا يريد أن يخسر الكل دفعة واحدة، لذلك كان يريد منهم أن يتفرقوا حتى لا يصيب الشر الجميع، وليتمكن الآخرون من النجاة ومساعدة من يتعرض إلى الاعتقال، وهذا الإجراء الاحترازي لم يكن سوى لاستحصال الاطمئنان، رغم أنه – عليه السلام – يشير إلى أن أمر الله لا راد له، ولكن هذا لا يمنع من الاستعداد للأسوأ، ووضع الخطط والتوكل على الله.

أبعد من ذلك

هذا التوجيه الأبوي يشير إلى ما هو أبعد من قصة أبناء يعقوب، ويرفع حصر الآية الكريمة في أبعاد تلك القصة، لتتوسع لتصل إلى منهاج عملي، وقاعدة إدارية مالية مهمة يجب اتباعها في إدارة المنظمات الإنتاجية، والتي تعتمد الربحية في مشاريعها وعملها، حيث تعتمد الشركات على عدم وضع كل ما يملكونه من رؤوس الأموال في مكان واحد، عندما يتعرض للخسارة تسقط المنظمة بشكل كامل، فالمنظمات الناجحة تحاول أن توزع رأس المال والأرباح من خلال شراء العقارات والأصول والأسهم في عدة مشاريع ومنظمات من أجل تجنب الخسارة الكاملة.

إن الاعتماد على تمرير كافة الأموال في مشروع من خلال منفذ واحد، مثل أن تكون الاعتماد على تجارة اللحوم، والتي تستورد من بلد واحد، ومن مزرعة واحدة ويكون الاعتماد عليها بنسبة كاملة، ستجد صاحب هذه التجارة يعض أنامل الخسارة عندما تتعرض اللحوم إلى التلف، أو تتعرض مصادر اللحوم إلى الأمراض والوباء، حينها سيخسر كل ما يملك، ولا يستطيع أن يتفادى السجن ومصادرة الأموال؛ بسبب تراكم الديون، وخاصة المصرفية والتي تعتمد نظام المراباة، ومضاعفة المبالغ والغرامات.

هذا المعنى نجده أيضًا في قوله تعالى {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} حيث إن في سياق هذا المثل، فإن هذا العبد كان يعتمد على جنته التي لا يملك غيرها، وما أن ضربتها الأعاصير، وأصابها الجفاف انتهت به الحال إلى خسارة كبيرة من خلال ضياع رؤوس الأموال، بإنفاقها على الجنة التي تحولت إلى ركام.

دائمًا هناك خطة بديلة

هذا هو المهم وهذا هو الذي نستفاد منه من نصيحة يعقوب – عليه السلام – لأبنائه، أن تكون في حياتنا الشخصية، وفي إدارتنا للبيت والمنظمة والدكان والمعمل وغيرها خطة بديلة باستمرار أو أكثر من خطة، فإذا ما انقطعت السبل بنا في جانب ركنا إلى البديل لنحمي أنفسنا وأهلنا من الضياع، وهذه الخطط يجب أن تأخذ أولويتها حسب الأهمية، ولا نجاح لأي خطة ولا أي مشروع أو عمل إلا بعد التوكل على الله بقلبٍ مؤمنٍ برحمته وقدرته وحسن تدبيره، وأنه يريد لنا الخير، وأن خلف ما نخشاه أحيانًا يكون هناك الفرج.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد