«اهرب لقد اكتشفوا أمرنا»، كان هذا نص الرسالة التي أرسلها الأديب الأمريكي الساخر مارك توين إلى عشرة من الشخصيات الهامة في الولايات المتحدة الأمريكية يومًا ما، وفي صباح اليوم التالي كانوا جميعًا خارج البلاد.

ورغم الشهرة الواسعة للقصة، ورغم أنها المرة الثالثة خلال هذا الشهر التي يحكي لنا فيها الأستاذ نفسه هذه القصة سهوًا أو ربما عمدًا لكسر حالة الملل التي تسيطر غالبًا على المحاضرة، إلا أنه ما زال يحكيها بشغف أحسده أنا شخصيًا عليه، وما زال زملائي من طلبة تمهيدي الماجستير يصرون على تصنع الدهشة رياءً لهذا الأستاذ الجامعي الذي يجب أن تتعامل معه بحرص شديد خاصةً إذا كنت من طلبة الدراسات العليا وإلا فأنت تضيع من عمرك بضع سنوات بلا طائل، طلبة الدراسات العليا كائنات مثيرة للحساسية لدى أساتذة الجامعة في بلادنا.

ارتسمت علامات إعجاب مصطنعة على وجوه الجميع باستثنائي، والأمر هنا لا يتعلق بإظهار شيء من البطولة لعدم مجاملتي هذا الأستاذ في ردة فعلي على قصته، ولا لأني مللت الحكاية التي أصبحت مرغمًا على سماعها مرة على الأقل كل أسبوع، ولكن لأنني لم أجدها مبهرة على الإطلاق حتى حين سمعتها للمرة الأولى، لم تُثِر القصة دهشتي أبدًا، هناك في واقعنا ما هو أكثر منها إبهارًا.

رفعت يدي بتلقائية استئذانًا في التحدث، ورفع زميل آخر يده، أومأ الأستاذ إلى زميلي برأسه إذنًا له بالتحدث مما منحني بضع ثوانٍ أو دقائق إضافية لاستجماع أفكاري ومعرفة ما علي قوله تحديدًا، في الواقع لم أكن أعرف ما الذي دفعني إلى رفع يدي، ربما كنت أريد أن أخبر الأستاذ برأيي في القصة، لكنها ليست قصته هو مجرد ناقل لها، لو أن روح مارك توين تحل في هذا الأستاذ، لربما كان هناك منطق فيما كنت سأقول.

لربما كنت قلت له عذرًا سيدي قصتك التي ملأت الدنيا بها ضجيجًا لما يزيد عن قرن من الزمان لم تعد بهذا الإبهار الذي بدت عليه وقتها، لم تعد تثير دهشتنا حين نسمعها كما كانت في الماضي، أتدري لماذا؟

لأننا اكتشفنا أن الهرب ليس أسوأ ما يمكن حدوثه يا سيدي، لقد جعلونا نتمنى أن يهربوا لكنهم لا يفعلون. نعم، هذه هي الحقيقة المرعبة، لم تعد لفظة الحياء ذات معنى في قواميسهم فظلوا بيننا في مناصبهم التي يبدو أنهم ورثوها عن الأجداد دون علمنا، لا تتعجب فلم يحن وقت التعجب بعد، أنا لا أحدثك هنا يا سيدي عن أشخاص تثار حولهم الشكوك أو لغط ما من هنا وهناك، أنا أحدثك عن أشخاص تنشر فضائحهم في الصحف اليومية بالأدلة والمستندات، تسجيلاتهم بالصوت والصورة تملأ القنوات والمواقع الإلكترونية، فسادهم وصل إلى كل شيء؛ المال والسياسة والفكر، إلا أنهم لا يزالون على كراسيهم كتماثيل آلهة المصريين القدماء، وربما لو تحرك تمثال من موقعه في معبد ما ليريح قدميه من أثر طول الجلوس ما تحركوا هم.

لو كنت بيننا الآن يا سيدي لكان لقصتك وجه آخر، لكان سياقها يدور حول مدى شهامة هؤلاء وحيائهم أو حتى على الأقل عن خوفهم من غضبة الناس، لو كان هؤلاء العشرة بيننا الآن لوجدوا من يتخذ لهم مئات الأعذار والتأويلات، سيقول البعض أنهم هربوا ليستطيعوا إثبات حقيقة براءتهم، وسيقول آخرون إن كل ما اقترفوه هو استخدامهم لمناصبهم في وساطة لجلب نفع ما أو دفع ضر ما عن أحد أتباعهم وهذا أمر طبيعي، إساءة استخدام السلطة لم يعد في الحقيقة أمرًا يحاسب عليه القانون في زماننا، لو كانوا بيننا يا سيدي فسيجدون من يقول عنهم حتى وإن افترضنا ذلك فليس هناك دليل على ما فعلوا، مجرد هروبهم لا يعني شيئًا، القضاء لا يعترف إلا بالمستندات، وحتى إن اعتبرنا نص هذه الرسالة دليلًا فستجد من يخرج ليدافع عنهم أو ليوكل لهم محاميًا من الذين يتقاضون أتعابًا تتكون من سبعة أرقام، لو كانوا بيننا يا سيدي لوجدت من يقول لك أنهم لم يهربوا، لكنهم ذهبوا لقضاء مناسك العمرة وسيعودون.

لو سار الوضع على هذا المنوال يا سيدي فإنه في يوم ما ليس ببعيد ستحكي قصتك فقط لنذكر الناس أنه في قديم الزمان كانت صفة الحياء تشمل المسئولين أيضًا، ستحكي لنمصمص الشفاه بعدها ونتحسر على أيام خوالٍ، ستحكي ليعلم الناس أنه من وقت ليس ببعيد لم يكن الفساد هو الشائع والطبيعي والسائد، يومًا ما كان المخطئ يخاف، لكنه لم يعد يفعل.

قرأت يومًا في إحدى الروايات التي عبر فيها الكاتب عن تخيله لمستقبل هذا الوطن وكان أحد أبطال الرواية يقول «في هذا الوطن كل ما هو قابل للسرقة يسرق»، إلا أن هذا التصور كان متفائلًا إلى حد كبير، إنهم يسرقون كل شيء يا سيدي، كل شيء. حتى ما ظنناه يومًا لا يسرق؛ الأحلام، الأمنيات، الخيال، الضحكات، المستقبل، براءة الطفولة، عنفوان الشباب، هيبة الشيخوخة، الأعمار والحياة، كل شيء هنا قابل للسرقة يا سيدي.

لم يعودوا يتركون شيئًا لك حتى كسرة الخبز الجاف التي ادخرتها وأنت تظن أنهم لن يلتفتوا لها يسرقونها، ليس لأنهم يحتاجون إليها وحاشاهم ذلك، لكنهم يتعمدون إذلالك بتجويعك، اشتقنا لأيام كانت الحكمة فيها تقتضي أن لا تأخذ من ضحيتك كل شيء حتى يكون هناك شيء يخشى خسارته فيقبل بحاله كما هو، لم يعودوا يقتنعون بمثل هذا يا سيدي، أو ربما أصبح لديهم حكمتهم الخاصة التي تقول سنأخذ منك كل شيء مقابل أن نتركك حيًا، ألا ترى كيف انتشر الموت حولنا، يجب أن تشكرنا لأننا نحميك من الموت، تشكرنا بأن تظل هكذا، تمضي يومك بالكامل بحثًا عن لقمة عيش تساعدك على أن تبقي الروح في جسدك ليوم آخر، يوم آخر لا جديد فيه سوى أنك ستستمر في البحث عن ما يسد جوعك لتعيش ليوم جديد لن يكون فيه جديد، حياةُ ثور في ساقية، هذه هي المعادلة العجيبة التي نحيا بها الآن.

يضحون بأجيال من البشر لأجل القادم الوردي المأمول، يقولون للناس تحملوا من أجل أن ينعم أبناؤكم، والناس يتحملون ولكن ليس من أجل أبنائهم، الناس يتحملون فقط لأنه ليس هناك خيار آخر، الناس يتحملون لأنهم يعلمون أن الوقت الذي سيستغرقونه للتفكير في ردة فعل أخرى سيجوعون ولن يجدوا من يطعمهم، في الوقت الذي سيخرجون فيه من هذه الدائرة المفرغة سيموتون، ولا يفكرون حينها أنهم إن ظلوا يدورون فيها أيضًا فسيموتون، أو ربما يتجاهلون ذلك رغم وضوحه، لكنهم لا يهتمون بالموت إن كان سيأتي غدًا، المهم أن يعيشوا اليوم، وحين يأتي الغد ويموت الناس جوعًا أو عبثًا لا يكترث أحد بذلك، الأمر يمر مرور الكرام على الجميع، الناس اعتادت على ذلك فأصبح الأمر مستساغًا، سيمر موتك وكأنك لم تأتِ هنا يومًا.

رغم كل هذا يا سيدي إلا أن هناك أمرًا واحدًا يدعو للتفاؤل بمستقبل أفضل ينعم به غيرنا، وهو أننا نُسجل كل شيء. نُسجل وندون ونصور كل شيء، لربما يأتي جيل في المستقبل القريب أو البعيد يتعظ مما سنتركه، لربما يأتي أناس يمتلكون رغبة في التغيير أكبر مما نمتلك، فيتغير الحال ووقتها يا سيدي ستعود قصتك لتصبح ذات معنى، وسترسم تعابير الدهشة والتعجب على الوجوه من جديد، أما الآن، فلا.

يدي ما زالت مرفوعة، هذا ما انتبهت إليه حين توجه لي الأستاذ بإشارة الإذن بالكلام، تلعثمت قليلًا. الكلمات صاحب سوء؛ تهرب من اللسان حين يحتاج منها المدد. أخيرًا، وجدت مخرجًا من هذا الموقف المحرج، تنحنحت وقلت عذرًا أستاذي لقد قال زميلي كل ما أريد أن أقول، وسَكتّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد