قد يَصبُو بنا الحماسُ نحن الشباب قليلًا حد وصف سياستنا، أعزكم الله، بالتافهة، وقد لا يختلفُ معي في الأمرِ أناسٌ كُثُرٌ، سئِموا الشعارات والبهرجة البرلمانية الفارغة واستعراض العضلات في برامج انتخابية، واقعيًا لا تطبق فيها عدا الأشياء الثانوية السطحية التي لن تفيد عمق إشكالات الشعب المغربي في شيء.

كما قد يظن البعض من المتحزِّبينَ أو المتعاطفينَ مع حفنةٍ من الأحزاب السياسية المغربية، ولا نستثني أي حزبٍ: يمينيًّا أو يساريًّا، بل حتى ذلك الذي يجمع بين أُدلُوجَاتٍ يستعصي على العقل السياسي السليم أن يُسَلِّمَ بها، أن خطابنا عدميٌّ وغير موضوعي، وأننا نتهجم مباشرة على السياسة بدون علم ولا سلطان مبين، ونحن سنجبيهم أن الضبابية التي تشوب المشهد السياسوي المغربي، لا خلاف ستدفع حتى الأمي والجاهل ليقول رأيه في النبرة الشعبوية والخطابات المتنافرة والمتضاربة والحروب الكلامية التي يتخبط فيها الساسة المغاربة، طبعًا دون الحديث عن أزمة التواصل السياسي، الذي يكادُ يكون منعدمًا، عدا في الأوقاتِ المصيريةِ كالفتراتِ الانتخابية.

صراحةً، في المغرب، الكلُّ يعارض، الحكومة تعارض الحكومة، والمعارضة تعارض الحكومة، حتى المؤسسة الملكية تعارض الكل دون استثناء، وكأننا في لعبة جميلة وممتعة حيث ينبغي على الكل أن يقاتل لضبط التشويق. إن تداخل الأدوار وازدواجيتها داخل أقبية السياسة المظلمة، إن دلت على شيء فإنما على علو نجم اللغط إلى عنان سماء العمل السياسي، واللغط مصيره معروف ومحدود، إنه لن يقود إلا صوبَ الغوغائية والفوضى وحوارات الطرشان، وهذا ما يلاحظه المتتبع للخطابات السياسية المنمقة، فنحن نستغرب كيف للحكومة أن تمارس الدور المنوط بالمعارضة في كثير من الأحيان؟ بل كيف يمكن أن نجد برلمانيين ووزراء يصادقون على قوانين في الخفاء وينهالون عليها بالنقد في العلن؟ أوليس غريبًا أن يشكك وزير العدل السابق في استقلالية القضاء؟ أمن المنطقي أن يطالبَ وزير حقوق الإنسان بمعاقبة إحدى البرلمانيات لأنها مارست أحد حقوقها التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية؟ لا غرابة فنحن في زمن القذارة السياسية حاشاكم!

لا لوم إن كانت الفوضى تزداد تفاقمًا عندما نجد الهرولة نحو الظفر بانتخابات 2021 على أوجها منذ الآن، ولا يضيرنا الأمر، بل بنبغي أن ندرك أن التنافس الشريف مشروع، بيد أن التهجم على الآخر وشخصنة النقاش السياسي، وغياب الواقعية والمرونة السياسية، سيجعلنا نعتبرها سياسة مهزوزة وعقيمة لن تعطي ثمارها لا على المدى القريب ولا المتوسط ولا البعيد، إذ إن المعطيات التي قد يبني عليها المحللون تحليلاتهم ورؤاهم المستقبلية للأمور السياسية شبه منعدمة، والارهاصات الكلامية من حزب لآخر لن تجدي نفعًا في ظل الغضب الشعبي، الذي فقد الثقة في المؤسسات.

لا يختلف اثنان على أن التركيبة السياسية الحالية، التي تجمع السلطة المخزنية التقليدية والمؤسسات السياسية الحديثة، تلعبُ دورًا مفصليًا وهامًا في عرقلة الأداء الحزبي والمؤسسي، ومن دخل إلى دواليب الدولة سيعلم مليًا أن الدولة العميقة في المغرب هي من يخرج المسرحية السياسية ويُنَصِّبُ كل الفاعلين فيها مع الحرصِ على تنظيمِ الأدوار بعنايةٍ بالغة، ذلك أن الأمر لا يبتعد، حسب محمد الهاشمي، عن حقيقةٍ مرةٍ مفادها أن السلطة التقليدية تقبلُ خدمًا وليس شركاء، وهذا ما لا يجرؤُ الفاعل السياسي على الاعتراف به. ويا لوجعِ أن تهيمنََ «الخوفقراطية» ويفتقدَ هذا المشهد إلى شخصيات كاريزمية ذات رؤى مستقبلية ثاقبة من قبيل: عبد الله إبراهيم، المهدي بن بركة، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي، وحتى علال الفاسي ولو بأُدلُوجَتِهِ السلفية المحافظة.

إن الانتقال الديمقراطي، الذي تم الإعلانُ عنهُ منذُ ما ينيف العقدين، في نظرنا لا يمكن أن يتم مادام هناك تكميمٌ لأفواهِ الكثير من السياسيين وتعرض الأحزاب السياسية للاستلاب الكلي من طرف آلة مخزنية تتحرك بقوة ذاتية وفي غنى عن الجميع، وحتى رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بن كيران، نفسه الذي كان يدعي الجرأة السياسية وتبسيط الخطاب لطالما عبر عن ضعفه وقلة حيلته في اتخاذ بعض القرارات الحاسمة في تاريخ المملكة، وأن لا حول له ولا قوة في التعبير عن بعض آرائه في معظم ما يجول في غياهب السياسة، مرددًا عبارة: التماسيح والعفاريت، ويقصد بهم الذين يتحكمون في دواليب المشهد خلف الكواليس، ولا أحد باستطاعته أن يحاسبهم أو حتى أن يَتَعَرَّفَهُم.

ختامًا، نحن نتمنى لو عاد العمل السياسي إلى قوتهِ وشموخهِ كما كان إبان العقود الأربعة الأخيرة من القرن المنصرم، حيث تَقلد أدوارًا مفصليةً في التأثير على صنع القرار في عهد الحسن الثاني الذي اتسم بنوع من القمع والتضييق على الرأي السياسي المخالف. ومنه، وجب على الأحزاب الممسكة بزمام الأمور حاليًا، ونخص بالذكر مكونات الأغلبية الحكومية، أن تسعى جاهدةً إلى صَكِّ قراراتٍ سياسية هامة وجريئة، تنبِّئُ باستقلالٍ فعلي للأداء السياسي، فالكلام لا يعدو كونه كلامًا، ولعل المواقف قد تثبتُ ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد