إن ظاهرة انتشار تلك الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي والتي تقوم بنشر صور مُزيفة تدعي إعجازًا ما فقط لإثبات قدرة الله، أو نشر معلومات علمية مغلوطة بهدف التأكيد على صحة القرآن والسنة، ليست بالظاهرة الجديدة في جذب انتباه المتابعين، فمثل هذه المواد والأفكار لطالما ملأت الصحف والبرامج التليفزيونية ولطالما حققت كثير من الرواج بين الجمهور والانتشار للوسيلة الإعلامية.

ولعل ذلك الإقبال الكبير على مثل هذه الموضوعات يجعلنا نحاول فهم العقليات والنفوس التي تقوم بتصديقها دون تمهل أو تأني في وقت انتشرت فيه فكرة إمكانية التلاعب بالصور وتزييف الحقائق والمعلومات.

 

ربما ينظر كثير منا إلى هؤلاء باعتبارهم حمقى يتهافتون وراء كل خبر يُنشر باسم الدين، ويسارعون بنشره ملحقينه بهذه الجملة الشهيرة “لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله”.

 

وفي ظن البعض الآخر إن هذه الأمور لا تخرج سوى عن متآمر يبحث عن ترسيخ قيم الجهل لدى المؤمنين ليراهن على غبائهم فيسهل نشر صورة سيئة عنهم.

 

إنك حين تشاهد أحدهم ينشر صورة سمكة برأس دجاجة مكتوب عليها “سبحان الله”، أو صورة لفتاة مشوهة مكتوب عليها “تحولت لقرد لإهانتها للمصحف”، للحظات تتأمل الصور وربما تضحك من مدى الاستخفاف والتلاعب، ولكن بعد قليل عندما تستطلع تعليقات القراء، لا شك أن الأمر مدهش.

 

لماذا يصدق الناس؟

 

لماذا يصدق الناس هذه الهراءات؟ وكيف يركنون إلى التصديق بقدرة الله من خلال التزييف والضلال!

 

بدايةً إن فكرة الماورائيات من الأمور الجاذبة للنفس البشرية، وعلى مدار التاريخ تظل فكرة الأمور الغيبية مصدر قوة حقيقية لانتشار أية فكرة، وهذا ما جعل كثيرًا من الكهنة وأصحاب المصالح يستغلونه لتكبيل عقول الشعوب وتغييبهم.

 

وتعد الأمور الخارقة للمعتاد والطبيعة من أكثر الأمور إثارة للنفس البشرية؛ فمع مرور الوقت تعتاد النفس على الجمال والإبداع في الأمور اليومية؛ سوف تتحول أوراق الزهرة الجميلة التي تتفتح في دقة وإبداع أمرًا معتادًا لا جذب فيه، و بعد قليل سوف يذهب الناس إلى أمرٍ غير مألوف مثل هذه الزهرة التي تفتحت أوراقها لتشكل كلمة “محمد”.

 

“إن الصدق ليس بأمرٍ ضروري في مثل هذه الحالات، الأهم هنا أن يستمر تصديق الناس بوجود قدرة عليا قادرة على جذب انتباههم”.

هو نفس الدافع إذًا الذي يجعل الإنسان متعجلًا لرؤية الانتقام من الظالمين والقصاص الفوري منهم.

 

لذلك فإننا نجد إقبالًا شديدًا على المواقف التي تظهر لنا مدى وقع قراءة آيات العذاب في القرآن الكريم على هؤلاء الظالمين الفسدة، أو تلك القصص التى تؤكد لنا سوء خاتمة الطغاة، أو العقاب اللحظي للمفسدين في الأرض، والأمثلة كثيرة تؤكد كل يوم على رغبة الناس في الاستماع لهذه الأخبار، لماذا؟

 

هي نفس الفكرة إذًا، النفس البشرية في حاجة إلى التأكيد على صدق ما تؤمن به؛ حتى وإن كان تأكيدًا من خلال تزييف معلومات علمية للتوفيق بينها وبين أحاديث نبوية لا تلبث أن تكتشف أنها أحاديث موضوعة!

 

باختصار إن النفس البشرية في حاجة لمن يقول لها: أنت على حق؛ وليس هذا بالأمر السيء.

 

إذًا ما هو الأمر السيء؟!

 

إن المعجزة الكبرى التي نزل بها رسول الله (ص) هي القرآن الكريم، كلمات وأحرف تبدو في ظاهرها ليست بالأمر الخارق للطبيعة مقارنة بمعجزات عيسى وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام. ليكون الدرس الأكبر في حياة المسلمين أن المعجزة الحقيقية هي ليست الفعل وإنما ما وراء الفعل.

 

ولكننا وبعد أكثر من 1400 عام على نزول القرآن وتأكيده عشرات المرات على إعمال العقل والتيقن نبحث عن قدرة الله في صورة لفتاة تحولت إلى ضفدعة أو في شجرة تم نقش اسم الله على إحدى أوراقها!

 

إن القرآن الذي جاء ليهدم الفكر المادي عاد به المسلمون لترسيخ الفكر المادي الظاهري حتى على حساب الصدق والأمانة.

 

لنجد أنفسنا في الوقت الذي يزداد فيه الظلم والاستبداد بدلًا من أن يبحث المسلمون عن أسباب رفع الظلم واستذكار مواقف الأبطال المناضلين في تاريخنا فقط نتوقف على استدعاء عاقبة الطغاة وكيف ساءت خواتيمهم.

بدلًا من الحض على مجابهة الظلم والظالمين، تتعالى أصواتنا بذاك الدعاء الشهير:

 

“اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”

 

إن ما ذكرته من أمثلة لا يتوقف عند حد الظاهرة بل إنها تتعدى إلى المأساة التي يمر بها مجتمعنا اليوم والذي يؤكد على نقطتين هامتين:

أولهما؛ أنه كلما ازداد الظلم واشتد كلما لجأ الناس إلى الهروب من الواقع باستدعاء ما يُطمئن قلوبهم ويُريح نفوسهم من ألم العجز وقلة الحيلة، تاركين الأمر لمدبر الأمور، ولقد زاد الظلم وتفشى في أيامنا بكثرة وزادت حاجة الناس إلى ما يطمئن قلوبهم بأن هناك شيئًا خارجًا عن المألوف في الطريق إليهم.

ثانيهما؛ أن الظلم والاستبداد يرسخ قيم المادية ويفرغ كل شيء من مضمونه فيتحول الدين على يديه وبسبب أبواقه الإعلامية والدينية إلى وسيلة للتبارك وتسكين الآلام وهو أسوأ ما يمكن أن تتحول إليه أية عقيدة كانت.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد