جلست أفكر فيما يحمله العام الجديد 2017 من بشريات ثبوتية، أو ظنية، أو مأمولة عند المتفائلين مثلي، أو المدعين تفاؤلًا، وجعلت أتقمص شخصية المحلل السياسي الثقافي العلمي، كأولئك الذين تتحفنا بهم برامج التوك شو مساء كل ليلة؛ لعلني أقدم للقارئ بعض قراءة هنا أو هناك، فأطلَّ على ذاكرتي في البدء دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الذي سيتولى السلطة في بلاده نهاية يناير الجاري، وقفز إلى مسمعي تهديداته التي أرسلها في الآفاق إلى المسلمين في بلاده، وإلى تنقية العنصر الأبيض مما شابه في العقود الماضية، ورأيتني مسرورًا غاية السرور؛ ذلك لأنه يخالجني شعور يقيني أن نهاية الغطرسة الأمريكية التي يحملها ترامب في جيناته، وصدرها للعالمين في حملاته الانتخابية ولم يخفها ستودي به وبأمريكا المتغطرسة إلى حافة الهاوية، وأنه لن يمر العام حتى تروا الاقتصاد الأمريكي يعلي معاول هدمه عالية ويهوي بها على رأسه، ذلك بفعله أو بفعل غيره من الروس والاتحاد الأوروبي الذي سينحاز إلى الروس ويعنى بمصالحه الأوربية خاصة، وهنا سيبدأ الانهيار التدريجي للأخضر الذي دوخ أنداده لفترات طويلة، وسنرى بدايات السقوط للولايات الأمريكية واحدة تلو الأخرى، وحينئذ تتوالى الاتهامات وتكال لترامب بتفكيك الإمبراطورية العظمى والمساعدة في دحرها أمام شراسة الدب الروسي المتمثل في لاعب الجودو الماهر بوتين الذي لا يرحم منافسه أو غريمه حين يتوعد.

أما عن المشهد الديني لو صحت العبارة، فإننا سنرى سقوطـًا للجماعات الدينية المتأسلمة التي تدعي انتسابها للإسلام رحمة الله للعالمين، وهو منها بريء، ستندحر داعش وأخواتها وتزول إلى غير رجعة مع زوال أمريكا، وسيهزم الجمع ممن جُنِّدوا هنا وهناك أمام سماحة الإسلام وعظيم منهجه الحياتي الذي يعلي حرمة النفس والروح، ويعمل على انتظام الحضارة وعمران الدول، غير أن هذا المشهد سيسبقه تضحيات عديدة مؤلمة ربما ندفع ثمنها غاليًا مما نرى ونسمع من اختراقات أمنية أو حدودية، يكفينا الله شرها وسوء عاقبتها، ومن ناحية أخرى ستعلو النبرات التي تحاول أن تصلح ما سمي بالخطاب الديني، وترسم له من القواعد ما تراه ضروريًا لمواكبة الفترة الراهنة، والحق أقول: إننا فعلاً إلى حاجة ماسة لتفهم أمور ديننا السمح والإعلاء من التمسك بقيمه الحضارية التي فتحت الآفاق ليدخل الناس فيه أفواجًا، ولتبيين فلسفته الهادفة لإنتاج سلوك عملي سمح يدعو ولا ينفر، يستوعب، ولا يطرد، لكن، من هؤلاء الذين ينتدبون لإصلاح ما أفسده المتعممون أنفسهم، والمعنيون بالفقه والدعوة حتى تركوا الفرصة للأدعياء أن يتصدروا المشهد، وللمنتسبين أن يزعموا فهم ما لم يسبقهم إليه غيرهم، لا بد من اجتماع أهل الفقه وأهل اللغة وأهل الفكر الرفيع وأصحاب القلوب السليمة من أجل تلك المهمة، حتى لا ينشأ أولادنا وشبابنا على مفاهيم مغلوطة وثقافة تصدرها لنا المناهج التعليمية التي أسندت إلى مرتزقة هنا وهناك، أو إلى أنصاف ثقات لم يراجعوا ولم يتثبتوا فكانت الكارثة وكان القزم ممن ابتلينا بهم حتى غدا المشهد مشفقـًا، وأصبحنا نتساءل أمن الشيخ الفقيه حجة الإسلام محمد عبده ورشيد رضا إلى الشيخ ميزو ورفاقه! فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وجعلتني أستحضر وأحلل المشهد العربي المحزن هنا وهناك، وقفز إلى خاطري مشهد الحرب واللاحرب بين الشقيقتين اليمن والسعودية ومن تحالف من جهة الشرق، والوضع المهترئ في ليبيا، ومشكلات الحدود بين دول المغرب العربي، والمشهد الكارثي في حلب وأفاعيل بشار المخجلة في ناسه وأهل سورية، والتخوف المستكين من قفزات الشيعة المناوئة في الخليج، والتداخل الإيراني الشنيع في الجسم العربي، ما أنهكه حتى كاد يسلمه إلى موت لا رجعة منه، ثم بثالثة الأثافي الحالة قريبًا في قضية ترسيم الحدود البحرية والتي تشبه لعبة النول التي تتراوح هنا وهنالك حتى زاغت أعيننا، وهي المقرة بما وعيناه من مصرية تيران وصنافير بحكم دماء شهدائنا، وبحكم التاريخ والجغرافيا وامتحانات قطعت «فرط اللي خلفونا» في ثبوتية مصريتهما، وفي ظل ما نعانيه نحن المصريين من غلاء متوحش مستوحش آبق لا يبقي ولا يذر، ولا يراعي فينا إلًّا ولا ذمة، ولا عهدًا لأطفال غلت ألبانهم وشيوخ سعرت أدويتهم، وتوحشت أدواؤهم، وسيارات تعطشت ماكيناتهم إلى وقود لا يجدونه إلا بشق الأنفس وبذل المئات الهزيلة في غياب للصافنات الجياد من المشهد عند الأثرياء، أو الأنعام لدينا نحن الفقراء لتغنينا وتحملنا من سؤال اللئيم.

وبينا أنا في ذلك التقمص جعلتني أردد: فيا عام 2017 بأي البشريات جئت لنا؟ سمعتني زوجتي وأجابتني بكوب شاي ساخن بدلاً من الذي برد ولم أشربه، وربتت على كتفي مرددة: «ورانا عيال، خليك في حالك!».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد