في الوقت الذي تقرر فيه الضحية أن تصرخ وتطلب المساعدة، تُمَد الأيادي وتضع في فمها حشوةً من التهم، لتجبرها على السكوت، حينها يمد الموت يده ويلوح لها بحبل الانتحار كحل أخير للنجاة.
عندما تتعرض فتاة للاغتصاب أو الابتزاز والتهديد وتكشف القصة بعد أشهر أو حتى سنوات، فإن أول سؤال يطرح على الطاولة لماذا سكتت كل هذا الوقت؟ هل كانت راضية عن ما يحدث لها، بين قوسين هل كانت مستمتعه بما يمارس عليها؟ أم أنه استغلها وابتزها بسبب سلوكها فما حدث متوقع وهي تستحق ذلك؟ أم أنها كانت على اتصال معه وأعطته صورًا لها وائتمنته على نفسها ظنًا منها أنها تعيش قصة حب ستنتهي بالزواج؟ هل الفتاة التي سولت لها نفسها في البدايات الوقوع في الخطأ ثم قررت أن تعود أدراجها وتتوب هل تستحق أن تواجه بالفضائح من المجتمع؟ لتنقل الحادثة تحت عنوان الرذيلة واستحقاق ما حدث لها.
والفتاة التي أغواها الحب المراهق والكلام الجميل لتقع في غرامه ويقنع عقلها الصغير بأنه سيكلل هذه العلاقة بالأبدية لتتبين فيما بعد أنها ليست إلا علاقة عابرة لإشباع شهواته وتبدأ سلسلة التهديد والابتزاز بأن تعطيه ما يريد من جسد ومال وإلا «صارت الفضيحة بجلاجل» كما يقولون.
ما الذي يمنع هذه الفتاة – التي قررت أن تنهي هذا العذاب النفسي والجسدي- من الوقوف والتمرد على الجاني وإنهاء هذه القصة بدلاً من أن تستمر في طاعته والإذعان له رغمًا عنها، ما الذي يمنعها لتوقف جبروته المستمد من ضعفها.
حينما تقرر ضحية الاغتصاب أو الابتزاز طلب النجدة والعودة إلى الطريق الصحيح – سواء كانت في البداية مذنبة أم لا- كنا نضع لها الحواجز، كنا ننصب لافتات كبيرة أمامها مكتوب عليها «الحق عليكِ»، «لو لم تبعثي له صورك ما حصل لك هذا»، «وسختي شرف العيلة»، «أخوك سيقتلك».

تذكرت قصة الفتاة التي اختارت الانتحار بعد أن قام شاب بابتزازها وتهديدها لمدة سنتين، فبعد أن استنزف مالها وجسدها اختارت الرحيل حالها حال الكثير من القصص التي بقيت في الظلام أو في أروقة المحاكم، كان خوفها الأول من الفضحية وهو ذات الأمر الذي يستند عليه الجاني. فالخوف كان سببًا لسكوتها طويلاً والخوف ذاته جعل من المجرم نمرودٌ يستأمن على نفسه، مطمئن أنها ستلبي كل ما يطلبه من سكوت وإذعان.

الأمر هكذا، فإذا وقع الجمل كثرت سكاكينه، نحن من أغلقنا أبواب العودة والنجاة أمام الضحايا والمخطئين، نحن الذين وقفنا في صف الجاني النابت في العادات البالية بأن فضيحة الفتاة تساوي الموت، وهي مقابل ألا تفتضح مستعدة لتقديم كل ما تملك لأن المجتمع لن يرحمها.

فحين تكون ضريبة الاعتراف والتوقف عن الرضوخ للمبتز هي الفضيحة والرشق بالحجارة يكون الصمت والاستمرار أو الانتحار حلفاء الضحية. فغسل شرف العائلة بدمائها أسهل من غسل جبن رجالها! فسن السكين وذبحها أسهل على أخيها من الوقوف جانبها وأخذ حقها من المبتز والوقوف أمام من يمنعها من عودتها للصلاح.

علينا أن ننتشل الضحايا من خوفهم أن نشدهم لأعلى لطلب المساعدة، علينا تمهيد الطريق لمن أراد العودة.
على المجتمع أن يضع المفاهيم في مكانها ويستخدمها في الشكل الصحيح، الضحية تبقى ضحية ومظلومة أكانت فتاة ابتزت بصورها أو فتاة خطفت واغتصبت أو فتاة تعرضت للتحرش من قبل أقاربها أو فتاة أحبت واستغلت في آخر المطاف. عليه أن يقف معها لا عليها ويشجعها على إيقاف الجريمة بيدها بالاعتراف واللجوء إلى القانون والأهل بدلًا من السكوت ومن بعده الانتحار.

يجب تدشين القوانين والعقوبات في وعي الأفراد، والترويج لدور الشرطة خاصة دور وحدة الجرائم الإلكترونية وتعريف الناس بها وإشعارهم بفعاليتها.

وأخيرًا على العائلة أن تفشي سنة الحب والعناق داخلها أن تشيع جو الأمان والحديث أن تكون بئر الأسرار، فالأطفال الذين يحظون بنصيب كبير من القرب والدفء من آبائهم وأمهاتهم لن ينجروا وراء قصص غرامية طائشة وإن وقعوا في الخطأ أو تعرضوا للأذى سيهربون للأهل لا العكس أن يهربوا منهم خوفًا للفضيحة كونوا ملاذ الحماية لهم فالعالم سيئ ومخيف بما يكفي.

لا تغتصبوا حق الضحية في العودة لبر الأمان، لا تقتلوا الضحية مرتين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد