تائهٌ في ظلماتِ الدُنيا، تارّةً تستقيم له الأمور، وتارّةً يتخبّط.

حالُه كحالِنا، لكنه في مرّةٍ جلس مُتفكّرًا أن إلى متى؟ ألم يأنِ أن أحيا سعيدًا كالبقيّة؟ لماذا يحدث ليّ ما يحدث؟ وفورًا جاءته الإجابة عن طريق المذياع، فتلا القارئ «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا» علم وقتها من أين جاء الخلل.

ذهب إلى المسجد، وكانت المرّة الأولى التي يذهب إليه بقلبِه لا بقدميه، وكلّه رجاء بأن يجد الحل في رُكنٍ ما هُناك، دخل وحَيّا المسجد وجلس بجوار عجوزٍ قد تجمّعت الدُنيا بهمومِها على ظهره فأثقلته، وجده مُبتسم المَحيا مُطأطئًا رأسه على المُصحف ويتلوه بصوتٍ لم يسمع مثله قبلًا.

لحظات ونادَى المُنادِي، فكان لأوّل مرّة يُصغي إلى الأذان، الله أكبر؟ إنه أكبر من كلّ تلك المصائب التي أجدها مُحلّقةً في وجهي صُبح مساء، حَيّ على الفلاح؟ أجل، إنه الطريق الصواب، هيّا فلنصلّ.

وبدأ الإمام، فقرأ الفاتحة ثم بدأ في سورة «طَه» – تلك التي طالما سمعها كلّما أرهقه المسير- وعندما جِيء عند آية «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى»، شَرَد بذهنه وأتى يُفكّر، لماذا سَألَ اللهُ – عزّ وجلّ- موسَى – عليه السلام- عن تلك العصا رُغم عِلمه؟ بل لماذا حينما أجابَه موسَى -عليه السلام- لم يكتفِ بقول أنّها عصاه وأخذ يُعدّد ما يفعله بها «التوكّؤ، يهُشّ بها الغنم، مآربه الأخرى»؟

توصّل حينها أنّ المولَى أحبّه، وفعل هو الآخر، فلا يملّ الحبيبُ من حديثِ حبيبه، بل يطيل فيه وإن كان ما يقوله سيُفهم من سياقِ الكلام دون أن يُنطَق به، لكنّه الحُب، وما أجمل أن يكون بين عبدٍ ومولَاه، ثم ركع وسجد، وفي السجود، أحسّ أنه يريد التحدُّث، لا يدري بما يبدأ، ولكنه يريدُ، ولا يستطيع أن يحولَ بينَ نفسِه ومُبتغاها، ومن حُسن حظّه أن الإمام كان يُطيل في سجوده حتى لَيحسِب المارّ أنه قد وافته المنيّة أو أُغشِي عليه، فما وجد نفسه إلّا وقد بكى كالطفل الذي ضلّ طريق العودة وفجأة تظهر له أمّه لتحتضنه وتبكيه ويبكيها – وللهِ المثلُ الأعلى- واستطرد في شكواه من نفسه ثم من الدنيا، وأن ضاقت عليه الأرض بما رَحُبَت ولا ملجأ له سواه.

كرّر فعلته لثلاث ركعات، ثم سلّم واستند إلى الحائط، فأتى له العجوز وجلس بين يديه قائلًا: «هنيئًا لك يا بُنيّ، إنّ البداية من ها هُنا، يا بُنيّ، أنا لا أدري ما الذي جعلك تأتي، ولكنّ ما أعلمه أن الله قد أحبَّ لقاءك وأنت لم تفعل، فأتى بك رُغمًا عنك، يا بُنيّ، إن الله -عزّ وجلّ- غنيٌّ عنّا، غنيٌّ عن عبادتنا، أتراه يفعل الذي يفعله كراهيةً لنا أو أنّه يريد بِنا سوءًا؟ حاشاه! إن لله عبادًا أسرفوا في حقّه، وعلم اللهُ فيهم خيرًا فأتى بهم بالابتلاء، أرادَ أن يرفعَ قدرهم ويكونوا أعزّاء كما خلقهم، أما تفكّرت لماذا فرضَ اللهُ علينا الصلاة ولم يجعلها نفلاً؟ فأجابه: لحبّه لقاءَنا؟ قال: بل لعلمه – سُبحانه وتعالَى- أنّنا نحتاج إليها لنبُث كل آلامَنا وأحزاننا وما تتوقُ له أنفسُنا، خلقك – جلّ في عُلاه- «أجوف»، فإن لم تملأ روحك بالصلاة، فَسَدَت، «هَشّ»، ستنكسر وستُهزم، ثُم تأتي لصلاتك فينجَلي عنك ما بكَ بمُجرّد التسليم.

يا بُنيّ، إنّني حينما جئت مثلك أوّل مرة وجلسَ إلىّ عجوزٌ مثلي، قال لي ما لن أنساه ما حييت: «بوّابة النور سجدةٌ في خُلوَة، وضَراعةٌ في خُفية بين يدي الرّحيم الودود، الذي يُحبُّ العفو والجود، فباللهِ لا تضلّ الطريق».
فبِاللهِ يا وَلَدي لا تضِلَّه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إرشادي, ديني, روحي
عرض التعليقات
تحميل المزيد