كنت ممن دعي لمنتدى أقيم على شرف المرأة في يومها العالمي، غرضه إظهار معاناة المرأة الفلسطينية من جهة، وإنجازها على الصعيد المحلي والدولي من جهة أخرى، وأنها قادرة على أن تتعالى على آلامها وجراحها، وأن يكون لها إسهاماتها في المجتمع، في وقت أحاطت بها الشدائد من كل جانب، وأحكمت الآلام قبضتها، وتعرضت لكثير من العذابات، التي لم تضعف همتها، ولم تلن عزيمتها.

بعد إنصاتي للمتحدثات رأيت في بعضهن الطموح والأمل بعد الألم، رأيت في عيونهن الحياة بعد الموت، وتجارب تبعث في أمثالهن أن لا مستحيل ما دامت هي تتنفس، وليس من الصعب أن يكابدن الحياة مشقتها، وأن يتميزن على بنات جنسهن، فهي كاتبة، وشاعرة، وعالمة، ورائدة فضاء، وصحفية متألقة تبرز وجه الحقائق، وفوق كل ذلك هي المدرسة بذاتها، والجامعة على كبرها، والمربية التي ترفد للمجتمع أبنائه وبناته.

مع علمي المتأصل أن دور المرأة مهما كان موقعها أمًّا كانت أم غير ذلك لا ينحصر البتة، فإسهامها يفوق حدود الواقع وإدراك الرجل البسيط، فيكفيهن شرفًا ورفعة أن من أجوافهن تخرج الحياة، وعلى أيديهن يكبر الرجال، وبدونهن لا تكون الأسرة ولا المجتمع، وينعدم استقرار الكون.

إن أعظم إنجاز تقدمه المرأة وما زالت، يوم قبلت أن تكون شريكة الرجل في تكوين الأسرة وبناء المجتمع، وأن تعيش في كنف رجل لا تعرفه من قبل، وتحفظ سره وترعى الأبناء، وتهتم بشئونهم اليومية، ولا تضيع حق أحد منهم كأم وزوجة وعاملة تجمع بينهم دون تقصير، وفي تناغم وتناسق دقيق، فلا حياة بدون أنثى تحتضن الرجل وتخفف آلامه لتحقيق آماله وطموحاته، فنجاح الرجل نجاح لها.

ولا غرابة أن يرفع الإسلام المرأة مكانتها ويعلي من شأنها، ويحفظ لها الحقوق والواجبات، فجعل البر أفضل القربات إلى الله ومن أصول الفضائل، وقرن رضا الأم برضا الرب سبحانه، كما جعل عاقبة العقوق من المعجل في الدنيا، وللعاق التعب، والشقاء، والفناء، وما كان ذلك إلا تكريمًا وتشريفًا ورفعة لمكانة الأم، ولصون المرأة كرامتها، فهي ملكة في بيتها، ولها مكانتها في مجتمعها أينما حلت، رأيها مقدم ومسموع، ولها الحق أن تعارض ما ينتقص من هيبتها، ولأجلها تراجع الفاروق عمر وناصر المرأة رأيها، لما كان خطيبًا في المهور وقال: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».

وفي حالنا كانت المرأة الفلسطينية خير شاهد على البطولة، والتضحية، والفداء، وتضرب أروع الأمثلة في الصبر والاحتساب دون جزع، تقدم فلذة الكبد شامخة لا مجال لعدوها أن يشمت فيها، لا يضيرها إن مسّها أو مسّ أبناءها السوء في سبيل أن تبقى القضية حية، ومن أجل أن يخرج الأقصى سالمًا من كل معركة أو هبة جماهيرية، فسلامة الوطن مقدمة على سلامة الارواح والأبدان، وما زالت تشارك الرجل قهر الاحتلال، والاحتلال لا يفرق في إذلاله بين رجل وامرأة.

وعندها أقول لقد ظلموا أمهاتنا ونساءنا عندما اقتصروا على تكريمهن ليوم أو اثنين، وإن كتبوا لذلك العهود وأقروه بالمواثيق الدولية، وأقاموا الاحتفالات والأيام التكريمية، وهي ما زالت تجود بعمرها ووقتها وفلذات أكبادها طيلة أيام دهرها، لقد أهان أولئك الأمهات والنساء لما احتفلوا به يومًا في العام، مجاراة لعادات دخيلة على الفطرة والسلوك، وحق لأمي أن ترفع تاجًا على الرأس، وأن تكون قلادة على النحر، وصورة في المقل لا تغيب.

وأكاد أجزم أن إنجازات المرأة لا تحصى ولا تحدها حدود، ولا يحوطها كتب ولا مجلدات، فضلًا أن يكون مقالًا، ولا يفي حقها كلمات، ولا احتفال، ولا تجزيها الهدية مهما عظم الثمن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد