لو عدنا إلى تاريخ الثورات فسنجد حتما أن الثورة التونسية هي من بين أسرع الثورات خمودا، فالاحتفاء الشعبي بها لم يدم طويلا وسرعان ما خفت بريقه ليتحول إلى قدح لها وسب لكل من تسبب فيها. وذهب الكثيرون إلى حدّ الترحم على أيام بن علي كما وصل الحدّ ببعض اليائسين إلى المطالبة بعودة الرئيس المخلوع من مخبئه لإنقاذ البلاد مما يتهددها من إرهاب وفساد. حتى صرنا نتساءل كثيرا: هل كانت البلاد فردوسا ونعيما أيام بن علي وعائلته وأصهاره ونحن غافلون؟

إنه من مؤشرات الانقلاب على الثورة تقديمها على أنها المصيبة الكبرى التي حلت بنا، وأن الحلّ يكمن في الرجوع إلى الوراء، في حين أنها وحدها القادرة على الارتقاء بوطننا نحو العلياء، وأغلب الدول المتقدمة اليوم تدين لتقدمها بثورات ما تزال تمجدها وتخلدها سواء بإدراجها ضمن المناهج المدرسية أو بنصب التماثيل والرموز التي تشير إليها أو غير ذلك من الطرق الأخرى. لقد أحسن هؤلاء التعامل مع ثوراتهم فتغيروا وغيروا.

أما نحن فلم ندرك بعد فحوى الثورة، ولم نستوعب بعد المعادلة التي مفادها أن الثورة إذا ما انتصرت لها انتصرت لك وإذا ما خذلتها خذلتك، ذاك هو مربط الفرس، فإذا ما أردنا أن نتغير فما علينا إلا أن نعيش الثورة بشكل يومي، علينا أن ننفجر ثورة أمام كل ما يعيقنا على التقدم. لا بد من أن يتحول ذاك الحدث إلى فعل فردي وعادة معيشية وأن نلغي من اعتقادنا أنه لا يكون إلا في إطار جماعة وأن التاريخ لا يجود به إلا لماما، هذا مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة التمييز بين الثورة والفوضى فإن كانت الأولى تنشد الحرية والتخلص من الاستعباد فإن الثانية ترفض ذلك وتطعن الحرية – التي من جوهرها احترام الغير وعدم تجاوزه – في مقتل، وكما قال العرب: «أنت حر ما لم تضر».

إن هذه الفكرة التي تجعل من الثورة سلوكا يوميا من شأنها أن تلغي من حسابات أية حكومة نية العودة إلى القمع الذي ترومه غريزتها، ولهذا نلحظ أن السلطة اليوم غالبا ما تحاول إسكات كل صوت ثوري أو احتجاجي بربطه بالإرهاب والسلب والنهب أحيانا  وبمحاولة إقصائه أحيانا أخرى وهذا ما حدث مع الرئيس السابق المنصف المرزوقي الذي غُيّب عن كل المحافل والمناسبات الوطنية منذ خروجه من قرطاج منصاعا لإرادة الشعب، في مقابل تكرر حضور شخصيات أخرى موالية لنظام بن علي على رأسها الرئيس السابق فؤاد المبزع، ناهيك عن محاولة إخراسه – أي المرزوقي – إعلاميا بممارسة ضغوط على الاعلاميين بعدم استدعائه ومحاورته وهذا ما حصل تحديدا مع القناة الخاصّة «التاسعة».

إن المنصف المرزوقي ليس في نظرنا إلا ثائر صغير بالكاد ومع ذلك فهو يزعج المنظومة الحاكمة كلما تكلم فما بالك لو تكلم ثوار حقيقيون أكثر صدقا وأشد بأسا، صرت أخشى أن نكون قد فقدانهم فعلا.

في المقابل تعمل السلطة على دعم خطاب إعلامي يركز بشكل كبير على تقديم الوجوه التي تحرص على إبراز سوداوية الوضع والتي تتقن الانفعال والصراخ وافتعال الغضب وتحاول أن توهمنا بأن التاريخ بقتامته قد بدأ منذ 14 جانفي 2011.

لقد نجحت هذه الماكينة الإعلامية بتلك الوجوه في مبتغاها فأعادت أتباع بن علي وعناصر حزبه المنحل للحكم، وهي رغم ذلك لا توقف محركاتها، فما تستهدفه اليوم وما تترصد به ليس إلا الثورة بعينها أو دعنا نقول ما تبقى منها، تدعمها في ذلك مراكز إحصاء مشبوهة تطالعنا من حين لآخر باستبيانات تبرز أن السواد الأعظم من التونسيين يفضل الأمن على الديمقراطية، والمقصود بالأمن هنا طبعا التعذيب والتسلط أو كأن تدعي أن النسبة الأكبر من التونسيين يعتقدون أن الأوضاع كانت أفضل قبل الثورة مما عليه اليوم.

إن النجاح القادم لهذه المنظومة الإعلامية سيكون خروج الناس للشارع ليس لمطالبة السلطة بالرحيل بل للشد على أياديها وتفويضها للاستبداد، على شاكلة ما حدث في مصر مثلا. وإن ملامح هذا النجاح بدأت تتجلى شيئا فشيئا من خلال الخطاب اليومي للعامة الذي يلعن الثورة ويثور عليها ويحن لما قبلها كلما تعطلت حركة المرور وكلما هطلت أمطار غزيرة أو امتنعت عن الهطول وإذا ما تأخر قطار عن موعده أو امتنع عون إداري عن القيام بمهامه أو ارتفع سعر علب السجائر.

على الشعب أن يدرك أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية البائسة والفساد المستشري والمحسوبية والبيروقراطية المعطلة لمصالح أفراده ليست مطلقا بضاعة الثورة بل هي بضاعة النظام القديم الذي لم يتغير إلا لأيام معدودة. أيّام كانت الثورة ترتع في وجدان الناس، إن الثورة جاءت كردّ فعل على كلّ تلك الآفات فلا منقذ لنا سواها في ظل نظام يتخذ وضعية الوحش المتفرس  في فريسته  منتظرا اللحظة الحاسمة لينقض عليها.

فلا تسبوا الثورة فأعداؤها يترصدون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد