يقول مالك بن نبي «لقد تجمد الفكر وتحجر في عالم لم يعد يفكر في شيء، لأن تفكيره لم يعد يحتوي على صورة الهم الاجتماعي، والتقليد الخلقي الذي وقعنا فيه يقتضي التخلي عن الجهد الفكري، أي عن الاجتهاد الذي كان الواجهة الأساسية للفكر الإسلامي في عصره الذهبي».

الكل يتفق على أن مصدر التشريع في الإسلام أصالة هو الوحي – الكتاب والسنة – لكن الوحي جعل للإنسان المسلم دائرة فراغ واسعة جدًا جدًا يتحرك فيها عقل المسلم، فالإسلام لم يوجد نظامًا مكتمل الأركان في القضايا الكبرى (مثل الدولة وأنظمة الحكم…)، وهذه ليست نقطة ضعف بالنسبة للتشريع الإسلامي ولكن ضعف في قضية تشريع البشري أو الاجتهاد البشري، فالشريعة الإسلامية تشرع وتفصل في الأمور الثابتة والتي لا تتغير ولا تخضع لتطوير والتغير، أما في الأمور المجملة التي تخضع لتغير وتطوير وترق يأتي بالمجملات والقواعد العامة.

وبما أن الدين الإسلامي ترك لنا دائرة فراغ واسعة ليتحرك العقل المسلم فيها في حدود القواعد العامة التي رسمها لنا التشريع الإسلامي، وبما أنه لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدانة والأحبار في العلاقة بين الخالق والمخلوق، كان لازمًا أن يتجه الخطاب الديني إلى عقل الإنسان حرًا طليقًا من سلطان الكهان.

فالكثير من الواعظين والعلماء يريدون أن يرجعوا بنا إلى صدر الإسلام، وهم دائمًا يشيرون إلى المسلمين الأولين قائلين: «انظرو إليهم… لقد اتبعو الحق فنجحوا، وليس لنا إلا أن نتبع طريقهم بحذافيرها حتى ننال النجاح مثلهم »، في الواقع هذا الكلام يكرس لقضية خطيرة وهي استنساخ تجربة تاريخية معينة في واقع معين على تجربة تاريخية مختلفة وواقع مختلف كل الاختلاف عن تلكم التجربة التي عاشها ذلك الجيل.

يقول علي الوردي في كتابه «وعاظ السلاطين»: «إن كل حركة اجتماعية لا تكاد تنجح حتى تفشل، هذه هي سنة الخلق في جميع الأزمان، وقد أشار إليها الرجل الحكيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث شبه الإسلام بالبعير، فهو ينمو في أول الأمر ثم يناله الهرم والفند أخيرًا يقول رضي الله عنه: (ألا إني قد سننت الإسلام سن البعير، يبدأ فيكون جذعًا ثم ثنيًا ثم رباعيًا ثم سداسيًا ثم بازلًا، ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان ألا فان الإسلام قد بزل) …».

ما أثار انتباهي في قول الفاروق رضي الله عنه هو عبارة (…ألا فهل ينتظر بالبازل إلا النقصان ألا فان الإسلام قد بزل )، هذا الاستباق والنظرة المستقبلية ثاقبة لمستقبل هذا الدين الفتي الذي أصبح يكتسح أرجاء المعمورة تثير الكثير من نقاط الاستفهام، فلماذا هذا تشاؤم من عمر رضي الله عنه وقبله النبي صلى الله عليه وسلم حينما اشتد به المرض وخرج إلى المسجد معصوب الرأس متوكئًا على علي كرم الله وجهه والفضل بن العباس رضي الله عنه فوقف في الناس خطيبًا رافعًا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد وقال صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس، سعرت النار واقبلت الفتن كقطع الليل المظلوم».

يعلق علي الوردي على هذا الحديث النبوي بقوله: إن هذا التشاؤم من النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الاستغراب، فالنبي كان منتصرًا آنذاك، حيث أذعنت له الجزيرة العربية كلها ودخل الناس في دين الإسلام أفواجًا … أحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك بثاقب بصره، كما أدرك عمر رضي الله عنه من بعده، طبيعة التطور الاجتماعي، فكل حركة تنمو لا بد من انتقاصها عاجلًا أو آجلًا، وكل صعود لا بد له من نزول.

في الواقع هذا ما يجعلنا نقول إن تشريع الذي كان في ذلك الزمان والذي أطر تلك التجربة التاريخية هو عبارة عن وسيلة للوصول إلى هدف اجتماعي معين، ومشكلتنا منذ سنة 40 هجريًا بداية عصر الانحطاط كما عبر عليه العلامة ابن خلدون هو اهتمامنا بحرفية التشريع وإهمالنا لروحه والهدف الأساسي منه.

في الأخير الإسلام دين لا يتقبل من الفرد أن يلغي عقله ليجري على سنة آبائه وأجداده ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعًا لمن يسخره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

محمد أركون، كتاب " من الاجتهاد الى نقد العقل الاسلامي ".
علي الوردي ، كتاب " وعاظ السلاطين ".
عباس محمود العقاد ، كتاب " التفكير فريضة اسلامية ".
مالك بن نبي ، كتاب " وجهة العالم الاسلامي ".
عرض التعليقات
تحميل المزيد