«لا تحاول.. من المهم جدًا ألا تحاول! لا من أجل أن تقتني سيارات الكاديلاك، لا لأجل الإبداع، لا لأجل الخلود. أنت تنتظر، ولو لم يحدث أي شيء، تستمر في الانتظار لمدةٍ أطول. مثل ذبابة تقف عاليًا على الحائط. عندما تقترب كفاية تنقض عليها، تضرب ضربتك وتقتلها، ولو أحببت مظهرها يمكنك جعلها ذبابتك الأليفة».

بهذه الكلمات أجاب الروائي والشاعر الأمريكي تشارلز بوكوفسكي أحدهم عندما سأله كيف يبدع ويكتب. تعرض بوكوفسكي، وهو شاعر أمريكي من أصول ألمانية، خلال حياته إلى العديد من التجارب الأليمة، فقد عاش طفولةً قاسيةً تعرض فيها للتعذيب والرفض والتهميش، وقضى معظم حياته فاشلًا حيث كان مدمنًا للكحوليات، ومقامرًا، وزير نساء. كما أنه فشل في الأدب، وتم رفض نشر كتاباته مرارًا وتكرارًا. وظل منبوذًا فترة لا بأس بها من قبل المجتمع الأدبي الأمريكي. وما أن تبدأ بقراءة بوكوفسكي، لن تستغرق الوقت طويلًا قبل أن تدرك أنك أمام كاتبٍ غير تقليدي، غارق بالفوضوية والعزلة والبؤس واللامبالاة، وبشيءٍ من التطرف والجنون. وبالرغم من كتاباته التهكمية العبثية والمثيرة للجدل والصريحة – أحيانًا إلى حد القذارة – إلا أن رواياته الست وآلاف القصائد والقصص القصيرة التي كتبها حققوا نجاحًا كبيرًا في تسليط الضوء على حياة ومعاناة المهمشين والطبقة المبتذلة من المجتمع الأمريكي، وكشف الستار عن «نتانة الواقع» الأمريكي (وإن لم يتفق الجميع مع أسلوبه الكتابي).

ولعل من أهم العبر التي يمكن استخلاصها من مسيرة بوكوفسكي الأدبية، بفشلها ونجاحها، يمكن اختصارها في كلمة واحدة «لا تحاول»، وهي الكلمة التي نُقشت على قبره. ولا تقتضي فلسفة «اللامحاولة» أن نستسلم أو ألا نعمل من أجل تحقيق أهدافنا، بل يعتقد بوكوفسكي أننا نحاول أكثر مما يجب ونعمل أكثر مما يجب لأن نكون ما نحن لسنا عليه. أو بمعنى أخر، نبذل كل ما بوسعنا لئلا نكون أنفسنا. فِسرّ النجاح بالنسبة لبوكوفسكي يكمن لا في العمل بحد ذاته، أو الهوس في النجاح، أو الشهرة والمادة، بل يكمن في أن نكون أنفسنا وأن نطلق العنان لمواهبنا من غير تصنع. لم يكن بوكوفسكي إنسانًا تقليديًا، فقد عاش في بعد آخر غير مكترثٍ بإرضاء أحد، أو تبرير أفكاره لأحد. ولم يحاول أن يكون مزيفًا أو يسعى وراء الشهرة أو يصبح انسانًا مهمًا. لقد تقبل نفسه الفاشلة والخارجة عن المألوف، بكل عيوبها ونواقصها، تمامًا كما أحب نفسه الناجحة: أنا مجموعة من الانتصارات الصغيرة والهزائم الكبيرة، وأنا مندهش مثل أي أحد آخر أنني وصلت من هناك إلى هنا دون أن أرتكب جريمة قتل، أو أُقتل. دون أن ينتهي بي الأمر في بيت المجانين. فكأن بوكوفسكي يقول لنا: كن أنت في كل ما تحاول، ولا تحاول ألا تكون أنت.

وقد تأثر الكاتب مارك مانسون بفلسفة اللامحاولة هذه، حيث تناول الفصل الأول من كتابه فن اللامبالاة قصة نجاح بوكوفسكي، ويرى مانسون أن سر نجاح بوكوفسكي يكمن أولًا وأخيرًا في تقبله لذاته. ثم تطرق مانسون لثقافة المثالية الزائفة وسعينا الدائم نحو التميز، مؤكدًا ضرورة أن نستيقظ من أحلامنا الوردية العظيمة، وأن نخفض سقف توقعاتنا، وندرك بصدق حدودنا ونواقصنا حتى نستطيع أن نواجهها. فبعكس كتب التنمية البشرية التي تفيض بالإيجابية، وتحدثنا عن القاعدة رقم ألف للتميز والعظمة، ينصحنا مارك ألا نسعى للوصول إلى المثالية؛ لأن ذلك سيشعرنا أكثر بأننا مفتقرون لما نسعى إليه، وأن نتقبل حقيقة أننا لسنا أشخاصًا مميزين أو استثنائيين- فالاستثنائيون بالفعل هم قلة قليلة في المجتمع – وعدم تميزنا لا يحد من جدارتنا أو أهميتنا؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لاقتضى أن يكون معظم سكان الأرض بلا أهمية. ولذلك يحثنا مانسون أن نتقبل عدم تميزنا، وحتى فشلنا لأن حجم نجاح الإنسان في شيء ما معتمد على عدد مرات فشله في فعل ذلك الشيء.

وفي زمن مزيف يضج بالأقنعة والضحكات الملونة، والكثير الكثير من اللاشيء على حد تعبير بوكوفسكي، وما بين ثقافة غربية مهووسة بالمثالية والإنجازات، وإثبات الذات، وتحقيق الشهرة والثروة، وثقافة عربية مأخوذة بالمظاهر والمقارنات، واللهث وراء القشور والسطحيات المبتذلة، أصبح من السهل جدًا أن نفقد أنفسنا ونتيه بالتفاهات والحماقات ونحن نسعى للوصول إلى الكمال. ونعيش في سبيل ذلك حياتنا وفقًا لقيم وتوقعات الآخرين الذين غالبًا ما نعطيهم الحق في تحديد قيمتنا الذاتية وجدارتنا بالتقدير. فهنا، ووسط كل هذا الصخب والزيف، تكمن مسؤوليتنا في تحديد واختيار الذي نريد الاهتمام به والأشياء الجوهرية والحقيقية التي تستحق فعلًا اهتمامنا، وهذا ما أطلق عليه مانسون اللامبالاة. فعدم المبالاة لا تعني عدم الاكتراث، كما أشار مانسون، بل الاكتراث على النحو الذي يريحنا.

قد تبدو للوهلة الأولى فلسفة اللامحاولة أو اللامبالاة منافية تمامًا لمفهومنا المعاصر للنجاح، فلطالما آمنت وأدركت أن سر النجاح يكمن في المبالغة في المحاولة والاكتراث، وفي تجاوز حدودنا، وإيماننا أن كل شيء ممكن بالإرادة، وفي العمل الدؤوب المتواصل والمحاولات المستمرة للتغير نحو الأفضل والوصول إلى ما نسعى إليه. وما زلت أعتقد أن هذا كله مهم جدًا، ولكن ما أدركت أنه الأهم هو ألا نفقد أنفسنا ونحن نحاول، لأنه حينئذ سيكون من الأفضل لنا جدًا  ألا نحاول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد