انظر إلى ساعتك التى طالما تفقدتها سريعًا، وانزع آخر ورقة من الوريقات المتبقية من نتيجة العام التى اعتدت أن تعلقها على جدران منزلك، وتأمل آخر لحظات متبقية من العام الذى شارف على الرحيل، وأغمض عينيك قليلًا، واترك لخيالك العنان، وشاركنى الإجابة على السؤال: ماذا لو أن العام المنصرم قد أتى ليودعنا، وجاءنا على هيئة لوحة فنية كبيرة بقدر اتساع خريطة الكرة الأرضية، وتشاركنا سويًا فى تلوين تلك اللوحة؟ فهلّا أخبرتنى ما هو ياترى لونك المفضل؟ أم مازلت منتظرا «بابا نويل» يأتيك حاملًا بعلبة الألوان؟

هل سيختلف اللون باختلاف الزمان والمكان

على الأغلب لن يختار أحد لونه الذى يولع به عند اقتنائه لأشيائه المفضلة؛ لأنه ليس بالضرورة أن يكون لونك المحبب إليك معبرًا عن أحداث عامك التى عايشتها، فكل منا قد دارت به أحداث مختلفة على مدار العام المنصرم، وأحاطت به ظروف اجتماعية ومعيشية مختلفة عن الآخر، وبالتأكيد كل هذا قد يؤثر على رؤية كل منا عند اختيار لونه فى الحياة، فالمواقف التى نمر بها كل يوم قد تجبرنا أحيانًا أن نقف فى ركن من هذا العالم؛ لنكون شاهدين على أنفسنا، وعلى ما صرنا إليه.

ويختلف لون الحلم ما بين شاب مثابر وآخر ثائر

ولأن اللون الأخضر هو رمز إنبات الحياة على الأرض، أتصور أن هؤلاء الشباب الذين مازال لديهم بعض الأمل والإصرار فى تحقيق إنجاز على أرض الواقع، ولديهم قدرمن الطموح ومن التمرد على الأوضاع الاقتصادية السيئة المحيطة بهم، بالرغم من كل هذا الفساد الذى توغل وأصبح عائقًا أمام كل من لديه حلم حقيقى، وإيمان راسخ بأنه يستحق مكانة أفضل فى بلده، هؤلاء الشباب الذين يتمتعون بقدر من السلام النفسى والمثابرة للوصول للهدف المرجو، لديهم رغبة ملحة لإحياء واقعهم فى تلك اللوحة باللون الأخضر، فما زال لديهم ذرة من إيمان بأن هناك وميضًا من الأمل، حتى وإن توراى شعاعه.

وفى هذا الجانب من اللوحة يوجد شباب أيضًا، ولكن بفكر آخر وحلم مختلف، فحلمهم لونه أزرق لون البحار والمحيطات والسماء الواسعة، يحلمون بالسفر والهجرة نحو عالم جديد؛ ليبحثوا عن وطن يتنعمون فيه بحقوق الإنسان، من تعليم  ينير العقول، وعلاج يشفى الصدور، وعمل يليق بذلك الإنسان الذى كرمه الله فى كتابه، ولم يكرمه بنو جنسه، إنهم يبحثون عن حقوق لم يروها يومًا تتحقق على أرض الواقع، وطالما قرأوا عنها فى كتب الحكايات والروايات، وسمعوا عنها هناك فى تلك البلاد البعيدة؛ حتى ظن البعض منهم أنها كماليات، مثلها مثل السيارة الفارهة، والتنزه فى جزر المالديف.

وللعجائز أيضًا أحلام

تليق بهم، وبتلك الطيبة التى تفيض من حناجرهم حين يتحدثون، وتتدفق من نظراتهم الحانية، ومن بين أحضانهم المفعمة بالدفء والأمان، هؤلاء الذين اكتفوا أن يتركوا اللوحة بيضاء مثل قلوبهم النقية، يحلمون فقط بلم شمل العائلة المشتت هنا وهناك، حتى إذا جاء وقت الرحيل رحلوا فى سلام.

 

وقد حان وقت الاحتفال

اللون البرتقالى لون «كرنفالى» صاحب جاذبية خاصة، ومبهج بطبيعته تمامًا، كأصحاب تلك الاحتفالات الصاخبة الذين يسكنون فى أبراج عالية، لا يرون منها هؤلاء الذين يتألمون ويملؤن الأرض بكاءًا ونحيبًا قد يشوش عليهم احتفالاتهم ليلة نهاية العام.

وعندما ترى ذلك اللون الأحمر الداكن تمهل فثم دماء تنزف

وحتى لا يختلط عليك الأمر، إنه ليس رمزًا لعيد الحب: إنهم أطفال سوريا، قد زينوا لوحتهم بدمائهم الذكية الطاهرة، تلك البراءة التى انقضى عامها وسط ويلات الحرب، ومازالوا تحت نيران القصف فى وطن يئن وينزف، وطن يزف إلى السماء كل يوم مئات الشهداء، مستقبلين عامهم الجديد ما بين أمل ورجاء ألا يكون هناك مزيد من فقد الأهل والأحبة، إنهم يحلمون بوطن أمن على طفولتهم التى شابت قبل الأوان.

وحواف اللوحة قد صارت باللون الأسود حدادًا على الأرواح التى أزهقت فى سوريا والعراق واليمن وفلسطين وبورما وسائر بلادنا العربية ورثاء على كرامتنا التى أهدرت.

و أخيرًا اكتملت الرؤية

وانتهينا من تلوين تلك اللوحة التى أنهكتنا، وما أجملها وما أحلاها بطلتها الزاهية وألوانها المبهجة! إنه فن «سريالي» متداخل الألوان قد يفهمه أهل التخصص، ولا يفهمه العوام، تمامًا مثل أمتنا العربية، شعارنا قوتنا فى وحدتنا، والحقيقة أن وحدتنا كلمة مجهولة المعنى فى لغتنا العربية.

لا تنتظر قدوم بابا نويل هذا العام

وقبل إسدال الستار إيذانا لبدء عام جديد، كن على يقين أنك لست وحدك من يعانى فى هذا العالم، لا تنتظر أن يأتيك «بابا نويل» محملًا بالهدايا، ليدخل على قلبك السرور؛ فهو لن يأتى هذا العام، ولم يزرك العام الماضى، ولن يحضر العام القادم، ولا أى عام أخر، ابحث عن السعادة بداخلك أولًا، وكن أنت حاملًا لفيروس السعادة، وابحث عن هؤلاء الذين ضاقت بهم  سبل الحياة وامدد لهم يد العون، وإسع فى حاجة أخيك، وتصدق بمالك على المحتاج، واعمل الخير بلا حساب، وكن دومًا بابًا يطرقه الناس وقت حزنهم، وأدخل السرور على كل قلب متعطش للفرح، وافتح بابك على مصراعيه مستقبلًا عامك الجديد، وكن متفائلًا ومفعمًا بالأمل الذي لن تحيا هانئًا، إلا بدونه، داعيًا أن يكون بداية لمزيد من الخير والبركة، وبداية لتحقيق الأحلام والأمنيات التى استودعناها الله على مدار العام، أعاده الله علينا وعلى أمتنا العربية بخير وأمان.

إنهم يقولون إن السعاد معدية..فكن أنت حامل فيروس السعادة

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد