للأسف تربَّينا على كثيرٍ من المفاهيم المغلوطة، ومنها «أن نهاية البنت لبيت زوجها»، فهذا يعني لماذا ستتعب نفسها؟ ومن حولها، بالتعليم ونفقاته وبالعمل؟ أو بالأحرى ما الداعي إلى ذلك؟! فزوجها سيتولى الإنفاق عليها، وعلى جميع مسلتزماتِ البيت، (وبالمناسبة نهايةُ البنت لبيتِ زوجها لا يعني بالضرورة أن تكون سرلنكية فقط!)؛ مما رسَّخ هذه القاعدة في عقولِ الكثيرِ من الفتياتِ التي رُبيَّت عليها، لدرجةِ أنهنَّ جالسات تضعُ كلُّ واحدةٍ يدها على خدَّها، تنسجُ أحلامها الوردية (الوهميّة) من خيوطِ الخيال، وهي بانتظارِ فارسِ الأحلامِ الذي سيأتي على حصانِهِ الأبيض، وينتشلها من لجّةِ الآلامِ والضياعِ والمعاناةِ، ويحمِلُها إلى ضفةِ الحياةِ المخمليةِ التي طالما قضتْ سنواتٍ بحياكةِ تفاصيلها (بمخيَّلتها)، وتعبتْ من انتظارها، فهنا يُؤسفُني القول كما تقولُ العبارة الشهيرة: عزيزتي الرجل ليس مصباح علاء الدِّين الذي يُخرِج لكِ المارد، ويحقِّقُ لكِ كلَّ ما تتمنينَ وتطلبين، لذلك فالأولى أن تحققي أنتِ أحلامكِ، وتسعي لها بكلِّ ما أوتيتِ من قوةٍ، لأنها ستبقى أضغاثُ أحلامٍ إن لم تُشمري عن ساعديْكِ.

وأنا لا ألومُ الفتاةَ لوحدِها فحسب في هذهِ القضيَّة؛ فالعتبُ الأكبر على الأهالي الذين هم من زرعوا هذه الأفكار البالية في عقولِ بناتِهم منذ نعومةِ أظفارهنّ، فكلّما أرادتْ أن تحقق شيئًا، أو تسعى وراء طموحٍ، أو أن تُثبتَ وجودها كإنسانةٍ لها كما عليها، داهمتْها عبارةُ «عندما تتزوجين بإمكانكِ أن تفعلي كذا وكذا»، فتبقى البنتُ كالقنبلةِ الموقوتة، التي لا نعلمُ في أيَّةِ لحظة ستنفجرُ وتفجرُ ما حولها، هذا إن لم تمتْ من الداخل وتصبح دمية متحركة دون علمِ أحدٍ، وكأن مهمة الأهل هي تسليمُ البضاعةِ سليمة (ظاهريًّا طبعًا) إلى الطرفِ الثاني من العقد، وبهذا الشّكلِ تكونُ قد أصبحتْ على ذمَّةِ رجلٍ آخرٍ وذهبتْ مسؤوليتها معها، ويا لكثرةِ الطلاقاتِ الحاصلة بعدَ توقيعِ ذلكَ العقدِ، ويا لَخطورة المشكلاتِ التي تحدث، حيثُ تُصدمُ الفتاةُ بالشابِ، حين تتكشَّفُ لها الحقائق وتنهارُ جبالُ الأحلامِ الواهية أمام عينيها؛ لأنها كانتْ كمن يبني صرحًا ويُشيَّدهُ من الرّمال، فما أمِنتْ عليهِ من الأمواج الغادرة! ويُصدمُ الشّابُ بالفتاة، التي لاتكفُّ عن مطالبته بما لا طاقةَ لهُ بهِ، وتحدثُ الخيباتُ والصَدماتُ وما أكثرها.

 الرَّحمة لهذه الأفكار. لماذا تُعامل الفتاة إلا من رحم ربي بهذا المنطق؟ لماذا نُشعرها بأنها ليس لديها الأهليّة لتبني وتختار حياتها بنفسها؟! لماذا يجب أن تكون محسوبةً على أحدٍ حتى تستطيع المتابعة؟! لدرجة أنه يبقى الزّواج هو الحلمُ الأسمى، ليس لأنه سنةُ الحياة، بل فقط لأنه المخلّص الوحيد، بدلًا من أن يكون استكمال حياة، مع شريكِ حياة بالمعنى الحقيقي، عذرًا لأغلب الآباء والأمهات، ما تؤولُ إليه بناتكم هو نتيجة لما تزرعونه في نفوسهنَّ منذُ الصغرِ، عندما تغرسُ بذرةً سليمة في ابنتكَ وابنكَ سيخرجُ كلٌّ منهما بشخصيةٍ قويةٍ، قادرة على تحمِّل المسؤولية، وقادرة على تكوين أسرةٍ سليمةٍ بالمعنى العام، بدلاً من تكوين عاهاتٍ، وأعباءٍ جديدة فوق أعباء المجتمع، الزواج هو محطةٌ من محطاتِ الحياة، لنكملُ ما بدأنا بهِ قبله، وليس هو محطةُ الانطلاقِ والبداية، التي عندما نصِلُها ستبدأ الإنجازاتُ والفتوحاتُ، وتهلُّ الأنوارُ وتتقاذفُ الشّهب، ليس هو مصباحُ علاء الدّين السّحري، يكفي المساهمة في تفكّكِ المجتمع! يكفي دعم فكرة أن يعيش الشخص عالةً على الشخصِ الآخر، الفتاة كائنٌ حرٌّ، كما الشابُ كائنٌ حرٌّ، «متى استعبدتُم النّاس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، من حقها تحمُّل مسؤولياتها والتَّمتع بحقوقها كافة، تحت ظلِّ الشريعة وبما أباحه الله جلَّ في علاه، فكلُّنا سنحاسبُ على ما عملته أيدينا فقط، ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى.

فأثمنُ ما يمكنُ تقديمهُ للأبناءِ هو تربيتهم تربيةً سليمة، أن نساعد الفتاة على أن تكون مؤهلةً لتحمُّل المسؤولية (عدا مسؤولية الطبخ والجلي..) ودعمها على الأصعدة كافة، أهمها النَّفسية، فبالتأكيد لن نعاملها كجاريةٍ، ثم نطالبها بأن تكون كالسّيدة عائشة، رضي الله عنها، هذا منطقٌ لا يقبله عاقل قط! وإليكِ عزيزتي: اثبتي لنفسكِ قبل الجميع بأنّكِ تستحقين الحياة المكرَّمة وأنكِ قادرةٌ على إدارة حياتكِ ومسؤولياتكِ بنفسكِ، لا تستثمري جميع مدخراتكِ في بنكِ العواطف والانتظار، فربما كان بنكًا من وهمٍ، ومن يضمنُ الإفلاس المفاجئ، احمِ نفسكِ بمدَّخراتٍ احتياطيةٍ يُديرها العقل لا القلب، من فضلك قليلًا من الواقعية، فالعمر أقصرُ بكثير من أن تغامري به وتُبَذّريه في مرافئ الانتظار، وتعلَّمي ألا تضعي كل البيض في سلةٍ واحدة، فالحياة أصعب بكثيرٍ من قصة السندريلا والجميلة النائمة التي رهنتْ حياتها في انتظارِ قبلة الحياة التي يطبعُها الأمير على جبينها، لأنكِ قد تهدرين رأسمالكِ الأثمن، عمركِ كلِّهِ ويشيبُ شعركِ الجميل، ويصبح أبيض ناصعًا كبياضِ ذلك الحصان الذي يحملُ فارسَ الأحلامِ المنتظر، والذي قد يَضِلُّ الطريقَ، فلا يعرفُ وصولًا أبدًا، لذلك كوني أنتِ فارسةَ أحلامك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد