ليس العيب أن تعجبك أخرى، وتميل لها، لكن العيب أن تعجبك تلك الأخرى، وأنت على ذمتك أنثى، وهناك الكثير من الاقتباسات المشابهة التي تفيد بوجود علاقة غرامية أو تتذمر منها، والسيرة طويلة في هذا السياق.

أكثر الظواهر التي تشكل استفزازًا حقيقيًا، وتثير حفيظتي تلك الاستفتاءات والأسئلة التي تطرح عبر منصات التواصل الاجتماعي والبرامج المتلفزة أحيانًا التي تُعنى بطرح قضايا العُشاق والمتحابين ضمن علاقة غير شرعية دينيًا واجتماعيًا، حيث يعرض أحد الاطراف مشكلته ويطلب من الجمهور المشارك اقتراح الحلول، حيث سنناقش في هذه التدوينة تطبيع العلاقات الغرامية وتنميطها.

بداية التطبيع

أولًا: استار أكاديمي. كلنا نذكر تمامًا هذا البرنامج الغنائي الذي يخلق جوًا دراميًا داخل حيز سكن مشترك للشباب والفتيات، يتشاركون فيه تفاصيل حياتهم اليومية من ملبس ومشرب، ولا بد أن قصص العشق التي نشأت في ذلك البرنامج لا زلنا نذكر أبطالها وتفاصيل قصتهم التي كانت القناة صاحبة البث تقدم التقارير الخاصة عن القصة وتتبعهم الكاميرا إلى كل زاوية.

قضية الحب هي أمر فطري، ولديها سياق وضوابط لممارستها في مجتمعتنا، أما ما تبثه برامج تلفزيون الواقع، فخاوية تمامًا من هذه الضوابط والقيم، وما استار أكاديمي إلا واحد من عشرات البرامج المشابهة.

ثانيًا: الفيديو كليب. يكاد لا يخلو أي فيديو كليب من مضمونه حول العلاقة الغرامية أو الخيانة وهجر الحبيب وما إلى ذلك من مواد تُغذي فكرة وجوب العلاقة، حتى بات هؤلاء نجومًا نتوق إلى ما هم عليه من نموذجية الحب وممارسته لتحقيق تلك النشوة النفسية والحسية، لاحظ هنا ضبط الأجندة.

ثالثًا: المسلسلات والأفلام. يعتمد أغلب كُتاب السيناريو الدرامي على وجود قضية حب تشغل المشاهد وتشحذ عواطفه على مدار 30 حلقة، حتى باتت عناوين المسلسلات مباشرة كالعشق الممنوع والعشق الأسود ويبقى الحب والحب المستحيل، قائمة طويلة عريضة ما بين ثقافات محتلفة أعزك الله، تبدأ من المكسيكي ثم التركي والأوروبي، حتى وصل الأمر إلى الانفتاح على الثقافة الكورية ودبلجتها!

رابعًا: منصات السوشال ميديا. في كل الوسائل السابقة القائم بالاتصال هو جهة ما ممولة ضمن أجندات اقتصادية وثقافية… لكن منصات السوشال ميديا يقودها المواطن العادي، وفي استنتاج سبب تطبيع طرح هذه القضايا في هذه المنصات فمن الضروري أن ندرج إرهاصات الوسائل السابقة التي فرضت هذا السلوك وصنعت من رواده أبطالًا تنبض لهم قلوب الملايين عبر شاشات التلفزة، وفي سلوك يماهي نبض قلوب الملايين عبر الشاشات، فأقول لك تابع التعليقات التي تنهمر لطرح الحلول ما بين العاشقين في المنصات الاجتماعية، بل أصبحت تسجل رأي عام قوي يتجند للدفاع عن هذه القضايا.

مقاربة من التاريخ

كلنا نعرف قصة الرسام الهولندي الشهير فان جوخ الذي قطع أُذْنه بشفرة حلاقة وأرسلها إلى عاملة نظافة تعبيرًا عن حبه لها مع رسالة قصيرة كتب فيها هذه قطعة من جسدي.. احتفظي بها بعناية، عندما أتذكر هذه القصة أتساءل عن شعور تلك المرأة وهي تستلم رسالة بها أُذْن بشرية، فمهما كان شعورها نحوه، فلربما انتابها في قرارة نفسها شيء من الازدراء والاستخفاف بجنون بدا وكأنه حـب وعشق، فالأمر كان ببساطة مجرد نشازٍ في العواطف وإسفافٍ في التعبير. تلك العواطف الناشزة صارت تطبقهـا اليوم المجتمعات للتعبير عن عشقها وتيمها لسلوكيات لا تنتمي إليها أصلًا حتى تستحسن عرابيهــا حضاريًا، وتتقرب إليهم، فصارت متحررة أكثر من عراب الحرية.

محاولات التنميط

من متطلبات التطبيع أن يرافق السلوك جوقة من الأفعال تتناغم مع المضمون وتعزز السلوك المُراد فرضه، وفي هذا السياق الخاص بتنميط العلاقات العاطفية برز اتجاهين لتعبيد الطريق أمام التنميط.

أ. اتجاه الكيف. أي كيف تمارس العلاقة العاطفية، يسجل ذلك حسب ما بثته الوسائل السابقة من خلال تبادل الورود والهدايا والرسائل والخروج سويًا إلى الحدائق والمطاعم والحياة الفاخرة والسيارة الفارهة لفارس الأحلام، وحتى في بعض الأحيان تشمل العلاقة الجنسية أو جزءً منها، استشهد بذلك بالمشاهد التي تحتوي الاحضان والقُبل ومقاطع الفيديو التي تأتي بعد نهاية العلاقة، كالخروج من غرفة النوم أثناء ارتداء الملابس، الحقيقة أن هذا المشهد هو الأكثر شيطانية.
الأكيد أنها برمتها قيم تتنافى مع الصواب، ولا توافق الممكن سلوكيًا أو ماديًا بالنظر للحال العام.

ب. اتجاه تشذيذ الصواب وعكسه تصويب الشاذ، بمعنى جعل الصواب أمرًا شاذًا أو منبوذًا أو الأقل انتشارًا، كالفتاة الملتزمة أو التي لا تملك حبيبًا، فإننا نشاهد ردة الفعل الممتلئة بالاستهجان والتعجب عندما تقول فتاة وسط جمهور الفتيات أنها لا تملك حبيبًا! حيث إن السؤال التالي لهذه الجملة، أحقًا لا تملكين حبيب؟ أي أنها تقع موقع الشاذة عن الكل أو عن السلوك العام، وفي هذا إشارة لحجم الخلل الفادح الذي يعصف بنا.

عادة ما يختم الكاتب مقالته بتوجيه الرأي وطرح الحلول للمشكلة التي تناولها، لكن يا دام عِزُكَ هل القضية بذلك التعقيد لنطرحها للدراسة والتنظير؟! لداوعي التبسيط نقول يجوز ولا يجوز، خطأ قاتل وصواب بناء.
الأكيد أن جميع الوسائل التي ذكرت سقطت في امتحان الأخلاق ضمن انهيار قيمي كامل.
السؤال المهم هنا بما أننا لاحظنا تدرج السلوك نحو الأسوأ، فهل هذا التدرج سيبقى على ذات المنوال ليهتك بحرمات أخرى؟

من أبرز المشاكل التي نتجت عن هذا التطور التفكك الاجتماعي وانعدام الثقة بين الأزواج أحيانا في قصص الحب ما قبل الزواج واستنزاف الكثير من معاني الزواج قبل حدوثه وهذا موضوع التدوينة المقبلة إن شاء الله تعالى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!