باسم حرية الرأي والتعبير تمت مراجعة كل الأفكار والنظريات حتى النصوص المقدسة، وأصبح كل شيء عرضةً للنقد والتمحيص.

إلا أن مفهوم الديمقراطية يبدو – نوعًا ما – مستثنًى من النقد، فهو لا يُذكر إلا في ساحات الإعجاب ومهرجانات الإطناب، لدرجة أن أي شخص يرفضه أو ينقده فإن أصابع الاتهام تتوجه إليه سريعًا وتجعل منه متعاطفًا مع الإرهاب على أقل تقدير!

بالطبع لا ننكر أنه في ظل حياة الرفاهية والسلم الأهلي والتقدم الحضاري الذي يعيشه الغرب اليوم، وفي ظل الصور القاتمة والواقع المرير الذي نعيشه في الدول العربية فإنه من الطبيعي جدًا أن يُفتن الناس؛ ويصبح صغيرهم وكبيرهم، جاهلهم ومتعلمهم، العلماني فيهم والمؤمن، يطالب بالديمقراطية باعتبارها نظامًا للحكم وإدارة شؤون البلاد، على اعتقاد أن الحل هو الديمقراطية!

ولكن هل الديمقراطية هي الحل النهائي الأمثل الخالي من الشوائب؟، وهل هي آخر شكل حكم وإدارة يمكن الوصول إليه حتى يتحمس لها الجميع كل هذا التحمس؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد لنا من قراءة مختصرة لقصة الديمقراطية – ولا سيما سنوات الحمل التي أسفرت عن ولادتها – للتعرف عليها والاقتراب منها بشكل أفضل حتى نستطيع أن نحكم بصورة لا يسيطر عليها الانبهار بحاضر غيرنا، ولا الاشمئزاز من حاضرنا.

خلال العصور الوسطى كان الحكم في أوروبا محصورًا بأيدي الملوك ورجال الكنيسة، وعلى الرغم من الازدراء الذي كان يتعرض له العوام – إذ لم يكن مسموحًا بالكلام داخل الكنيسة للتعبير عن الرأي أو طرح المشكلات إلا لأبناء الطبقة العليا – فقد كان الشعب يبذل ماله وروحه في الدفاع المقدس عن ذلك النظام، إلى أن طفح الكيل وتجاوز الظلم حده، وبدأت حركات الإصلاح الكنسي والثورات الداخلية، فتمت ملاحقة المحتجين الذين فرّ قسم كبير منهم ولجأ إلى أمريكا.

في القرن السابع عشر بدأت مجموعة من الإنكليز الفارين حياتهم الجديدة على أرض جديدة، بعيدًا عن الاضطهاد الذي تعرضوا له في بلدهم، (كان بناء الكنيسة هو أول عمل قاموا به، وقد كانت خدمة الكنيسة إجبارية وهناك غرامات على شرب الخمور والزنا والقمار والبطالة واللباس الفاخر) [1].

لم يدم السلم طويلًا إذ سرعان ما تغيير شكل الحكم نتيجة تعرض إنكلترا لظروف اقتصادية سيئة، الأمر الذي شكل لدى المهاجرين هاجسًا يستدعي بذل الجهد لتخفيف المجاعة التي هددت بلدهم الأصلي، فبدؤوا توسعهم التجاري على حساب السكان الأصليين، حيث (مارسوا سياسة استئصالية للسكان المحليين، وفرضوها بالقوة العسكرية القاسية…كان الإنكليز قد تشربوا الروح الحربية التي كانت سائدة في أوروبا تلك الفترة، وقد برروا عنفهم الجديد عبر قراءة انتقائية للكتاب المقدس) [2].

ونظرًا لكون الأرباح لم تكن كافية لسد حاجات إنكلترا فقد وجد المستوطنون أن الطريقة الوحيدة ليجعلوا من مستعمرتهم فاعلة هي زراعة التبغ – بعد أن كان محظورًا – وهكذا بدأ التحول من الفكر المسيحي إلى العلماني، وخطا المجتمع خطوة ثانية على طريق التحرر ولكن على حساب «القيم».

في عام 1775 حاولت الحكومة البريطانية فرض ضرائب على المستعمرات الأمريكية لتمويل حربها ضد فرنسا، أثارت هذه المحاولة الناس، لا سيما وقد نبشت ما كان عالقًا في ذاكرتهم من اضطهاد الملوك والأكليروس (رجال الكنيسة)، فاشتعلت ثورة عارمة في أمريكا أدت إلى إعلان الانفصال عن إنكلترا.

خلال تلك الفترة ظل مفهوم الطبقات موجودًا، وكانت معظم الولايات في أمريكا (ما تزال تعتقد بأن الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم، نعم كان العوام يعاملون بالمساواة ولكن لم يكن لديهم تمثيل في الحكومة، وقد كان جون آدمز الرئيس الثاني للولايات المتحدة يشكك في أية سياسة يمكن أن تؤدي إلى حكم الغوغاء أو إضعاف الطبقة العليا)[3].

سعيًا نحو الأفضل حاول المجتمع مجددًا أن يغير نظام الحكم من خلال الوقوف في وجه الاستغلال (فمع حلول عام 1790 كان 40% من سكان أمريكا مستائين من حكومتهم التي كانت تعاملهم بنفس قسوة الإنكليز بل وتفرض عليهم نفس الضرائب.

بدأت حملات صحوة جماهيرية داعيةً نحو مزيد من الديمقراطية مناديةً: «أمريكا تقوم على مبادئ الكتاب المقدس».

لم يكن رجال الصحوة مثقفين، وكان شعارهم أن عيسى عليه السلام وتلاميذه لم يكونوا من حملة الشهادات، لذلك دعوا الناس إلى قراءة الإنجيل دون توجيه من الطبقة العليا.

انتشر هذا الفكر بقوة ونشأت جميعات الإصلاح التي كانت تحارب العبودية والخمور وتعمل على إنهاء اضطهاد المرأة، وهكذا تعلم الأفراد فيها التخطيط والتنظيم والتفكير الذي مكّنهم من بناء مؤسساتهم، واعتنق الأمريكيون البسطاء حقوق الإنسان داخل إطار الكنيسة البروتستانتية) [4].

بعد الحرب الأهلية ( 1861-1865) التي وقعت في أمريكا بسبب التمييز العنصري، ومع وصول حكام كانوا مقتنعين أن الدين هو سبب العنف والاضطهاد الذي تعرضت له أوروبا خلال قرون، ونظرًا لصعوبة إيجاد نظام فيدرالي يدعم جميع الولايات إلا في حال امتنع عن الاعتراف الرسمي بأية طائفة أصبح لا بد من البحث عن صيغة حكم جديدة لا تعتمد على الدين وليس فيها نظام طبقي، وهنا تبلورت الديمقراطية بصورتها المعروفة اليوم.

على الرغم مما يحمله المولود الجديد «الديمقراطية» من حرية جميلة إلا أنه ولد ناقصًا، أو قلْ إن شئت: «ولد سليمًا ولكن تم استئصال جهاز الأمان ألا وهو جهاز القيم»؛ حيث تقوم الدولة في النظام الديمقراطي الحديث بإدارة الشؤون الاقتصادية والسياسية والعسكرية فقط، بينما يقوم المجتمع بتولي موضوع «القيم» ويغيرها كيفما يشاء، لتنعكس هذه القيم الجديدة على نظام الحكم بصورة تلقائية ولكن على المدى الطويل.

للوهلة الأولى يبدو الموضوع ظريفًا، ولكن واقعيًا بدأنا نلمس كوارث هذا الاستئصال، ولعل من أخطرها ظهور ما يمكن تسميته بالعنف الديمقراطي بصورة تخطّت القارات، حيث صار فرض الديمقراطية بالقوة ينظر إليه على أنه إجراء ديمقراطي!

إن اعتماد العالم للنهج الديمقراطي الحديث – بصورته الحالية – لا يضمن على الإطلاق حصول الأمن والسلام العالمي، (فبالنسبة لأمريكا … إن الأهم من تحقيق الحريات الديمقراطية لباقي دول العالم هو ضمان أن تكون تجربتها الخاصة في نشر الديمقراطية آمنة بشكل ملائم من أي تهديدات خارجية. هل سيساعد تقدّم الديمقراطية، لا سيما في الشرق الأوسط، مصالحنا القومية أم سيضر بها)[5]، وهذا يعني عمليًا أنه في الحالات التي يُظهر فيها تطبيق الديمقراطية في بلدٍ ما تهديدًا للأمن القومي لأمريكا فإن التدخل العسكري (الديمقراطي) لا بد أن يحصل.

وقد حذر كثير من الكتاب[6] من أمثال فريد زكريا في كتابه «مستقبل الحرية»، وتوماس فريدمان في كتابه «قواعد من حديد» من أن تطبيق الديمقراطية في دول الشرق الأوسط قد يفرز أنظمة غير مرغوب بها لدى الغرب الديمقراطي!

اليوم يُنظر إلى أية منظومة قيم على أنها تقييد لحرية الإنسان المتلهّف نحو المزيد من الحرية، هذا الإنسان سيثور يومًا على تطرفه وإفراطه في الحرية، وسيصل حتمًا إلى شكل جديد من أشكال الحكم والإدارة يدمج فيه بين الديمقراطية والقيم، بصورة يحمي فيها الحريات ضمن نظام سلوكي وأخلاقي يضمن التخلص من بذور العنف بشكل شبه نهائي، يومها سيخجل الإنسان من الديمقراطية التي كان يقدسها من قبل، كما يخجل اليوم من اضطهاد العصور الوسطى.

 


[1]– ص400، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي.

[2]– ص402، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي.

[3]– ص406-412، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي. بتصرف

[4]– ص414، حقول الدم، كارين آرمسترونغ، ترجمة: أسامة غاوجي.

[5] – ص236، نهوض المجتمع المدني العالمي – بناء المجتمعات والدول من أسفل الى أعلى، دون إيبرلي، ترجمة: لميس فؤاد اليحيى.

[6] – ص250-ص255، نهوض المجتمع المدني العالمي – بناء المجتمعات والدول من أسفل الى أعلى، دون إيبرلي، ترجمة: لميس فؤاد اليحيى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد