قد يثير هذا العنوان مجموعة من القراء، ويطرحون تساؤلًا بسيطًا: أنا لا أمتلك أي شيء مهم. فأي قيمة لمعطياتي الشخصية؟ هذا السؤال يعد جديًّا فعلًا ويحتاج إلى إجابات مقنعة لجمهور من القراء قد لا يكترثون لمعطياتهم الشخصية ويرون أن الأمر لا يغدو سوى زوبعة في فنجان.

بداية، لا بد من بعض التدرج لكي يفهم عامة الجمهور الأمر، وبالتالي نطرح تساؤلات تهمنا كذلك، ومنها على سبيل المثل: ماذا نقصد بالمعطيات الشخصية؟ هل المعطيات الشخصية ذات قيمة في الواقع؟ لماذا يجب أن لا نخبر أحدًا بمعطياتنا الشخصية؟ كيف نحمي أنفسنا من استغلال معطياتنا؟

عبر هذا النهج سنحاول تخصيص فقرة لكل سؤال، والهدف طبعًا أن تصل الرسالة لعامة الجمهور.

ماذا نقصد بالمعطيات الشخصية؟

للمعطيات الشخصية عدة تعريفات مختلفة، ويمكن تعريفها من زوايا متعددة غير أن المعنى مشترك وواضح بين كل هذه التعريفات المتعددة.

لا بد في البداية من تعريف المعطيات بصفة عامة. وهي لفظة يقابلها في اللغة الإنجليزية «Data»، وفي اللغة الفرنسية «Données»، أما في اللغة العربية فيمكن أن تكون مرادفة لمصطلحين هما: المعطيات أو البيانات.

وبالعودة إلى معجم كلمات الحاسوب والإنترنت فان مصطلح معطيات (Data)، يعرف بأنه: «كل المعلومات التي أنشأها مستخدم ما، سواء كانت عبارة عن وثائق أو صور أو تسجيلات صوتية» (1)، ومن خلال هذا التعريف يمكن ملاحظة بعض العناصر التي قد تسمى معطيات مثل الوثائق التي ينشئها شخص ما، وفي هذا السياق هو مستخدم كمبيوتر أو أي آلة أخرى، أو صورة معينة أو تسجيلات. كما أن هذا التعريف ضيق النطاق بصفته يحصر المعطيات في إطار استخدام الكمبيوتر، وفي هذا الإطار يربط المعطيات بالاستخدام الآلي.

يشير أيضًا الحديث عن المعطيات إلى شيء ما ذي قيمة أو غير ذي قيمة، غير أنه لا يتخذ التجلي المادي مثل: أسرار الكلام بين شخصين، أو التسجيلات الصوتية. إضافة إلى ذلك، عادة ما يقع الخلط بين المعطيات (Data) والمعلومات (Information)، فالمعطيات تكون خامًا وغير منظمة أو مترابطة تستعمل للحصول على معلومات بعد تحليلها أو جمعها، أي هنالك عملية معالجة للمعطيات، بعد ذلك تتحول إلى معلومات يمكن ملاحظتها وتأويلها بطريقة معينة قصد التعرف إلى شيء معين(2).

إن المعطيات الشخصية هي تلك المعلومات التي من خلالها يمكن التعرف إلى شخص، طبيعيًّا كان أم اعتباريًّا، وهي تتعلق بالتحديد بالشخص المعني، والذي يمكن التعرف إليه بشكل مباشر أو غير مباشر (3). ومن خلال هذا التعريف يمكن استنتاج أن المعطيات الشخصية لا تكون لها قيمة إلا عندما تتعلق بشخص معين ويمكن تحديد هويته مثلًا عن طريق رمز الهوية الوطني، والذي يمكن أن يساهم في معرفة معلومات عن صاحبه كانتمائه الإقليمي.

وكما سبقت الإشارة إلى أن ارتباط المعلومة بالشخص يجعلها من المعطيات الشخصية، وفي هذا الإطار يعد عنوان السكن، والذي ليست له أي قيمة، معطى عاديًّا، ولكن حينما يجري ربطه بشخص معين، يمكن من تحديد معلومات حوله فإنه آنذاك يعد معطيات شخصية.

هل المعطيات الشخصية ذات قيمة في الواقع؟

في الواقع إن معطياتك الشخصية ذات قيمة كبيرة، سواء كنت ترى نفسك غير مهم أو العكس صحيح.

لنبدأ بفرضية أن مجموعة من الأشخاص يعرفونك بشكل كبير، ويعرفون مزاجك وتفاعلك ومواقفك من مجموعة من القضايا والشؤون المختلفة، وأسوأ من ذلك أنك قد تجالسهم وهم يعرفون من أنت أكثر من أولئك الذين نشأت معهم، بالطبع أنت لا تعرفهم.

الأمر كالآتي: تمتلك حسابًا في أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ترفع صورًا شخصية لك تكفي وحدها لكي يتعرف إليك مجموعة من الأشخاص لا تعرفهم، يزورون صفحتك الشخصية بدون أن تعلم، يعرفون موقفك من قضايا عامة أو خاصة عبر تفاعلك مع المنشورات بالأزرار المختلفة (إعجاب، كره، حب، مضحك)، ويطرح التساؤل مجددًا، وما المثير في الأمر كل الأفراد يفعلون الشيء نفسه؟

هذا تساؤل جيد. إن التفضيلات السابقة، والتي تكلمنا عنها، يمكن أن نضيف إليها، طبيعة الموسيقى التي نستمع إليها، الرياضات التي نمارس، الأكلات الشهية التي تغري ذوقنا، كل هذا مؤكد سيجلبك للضغط على زر الإعجاب، والآن أنت تحرر صورة كاملة حول شخصيتك بجميع المواصفات، قد تكون من النوع الذي لا يحب أكل اللحوم (خضري)، وهذا حتمًا سيجعلك تناهض أكل اللحوم وتنخرط في إحدى المجموعات أو المبادرات المشتركة بينك وبين مجموعة من الأشخاص في مختلف بقاع العالم. وكلما زادت تفضيلاتك كلما أصبح من السهل التعرف إلى شخصيتك وردود فعلك، والأمور التي يمكن أن تثير امتعاضك أو إعجابك.

هذه المعطيات السابقة التي تحدثنا عنها، هي التي فجرت سنة 2018 ما يعرف بفضيحة شركة الاستشارات السياسية كامبريدج أناليتيكا، والتي حصلت على كم هائل من بيانات مستخدمي «فيسبوك» لغرض استغلالها في استهداف ناخبين أمريكيين وبريطانيين أثناء الانتخابات. وبالتالي تعريضهم لمحتويات قد تؤثر في اختياراتهم السياسية عن طريق الدعاية لأحد المترشحين أو مهاجمة مترشح محتمل.

لماذا يجب أن لا نخبر أحدًا بمعطياتنا الشخصية؟

قد يبدو من البلاهة أن نستخدم معطيات شخصية بشكل عام، ويقوم أفراد متعددو النزعات بجمعها ومعالجتها؛ فالشخص الذي يود سرقة منزلك، يعرف جيدًا متى تنام ومتى تستيقظ، الأمر واضح لأنك تستعمل تقنية «الدردشة» من مختلف التطبيقات، سواء عبر الهاتف أو عبر جهاز الحاسوب. هذا مثل بليد نوعًا ما. ولكن الأمر يصل إلى حد كبير من المخاطرة إذا وجدت نفسك يومًا ما تتعرض لابتزاز من أصحاب النزعات المتعددة. أنت بالطبع تقدس خصوصيتك، ولكنك لا تحمي معطياتك بما فيه الكفاية، كالذي اخترق هاتفك وحصل على أثمن لحظات حميميتك، مؤكدًا ستصبح عبدًا له. فالتاريخ مليء بالعبر، فتتبع حميمية الأفراد كان سببًا كافيًّا لمواجهة الخصوم في السياسية وفي جميع حقول المنافسة بين الأشخاص.

كيف نحمي أنفسنا من استغلال معطياتنا؟

من جانب، من الصعب حمايتها كلها، لأن التكنولوجيا تتطور بشكل رهيب، غير أنه يمكنك أن تحد من خطرها، ولنبدأ بمحيطك.

ليس من الضروري أن تبرز كل المعطيات الشخصية للعموم، حدد بعض الأمور مخفية عن الجميع، مثل تاريخ ازديادك (ميلادك)، وبطاقة الهوية الخاصة بك، هذه المعلومات وحدها يستطيع أحدهم أن يستشري منها وضعية ضمانك الاجتماعي مثلًا، أو يراسل مستشفى معينًا بهذه المعطيات ليحصل على ملفك الطبي، ويعرف منه الأمراض التي كنت قد تعرضت لها. كثيرة هي طرق حماية معطياتك الشخصية ليس فقط في العالم الرقمي، وإنما أيضًا في الواقع؛ لأنك قد تحوز معطيات شخصية على شكل وثائق وأوراق ممسوكة يدويًّا.

ومن جانب آخر، فإنه يحق لك الالتجاء إلى مقاضاة كل من يستغل معطياتك الشخصية، أو يجمعها بطريقة غير مشروعة، فمعظم الدول تمتلك تشريعات خاصة بها تضمن الحماية الدستورية والقانونية للمعطيات الشخصية، وتحظر كافة الاستخدامات غير المشروعة لمعطياتك الشخصية، خصوصًا إذا تعلق الأمر بمعطيات حساسة مثل الرأي السياسي والنقابي، ثم الصحة الجسدية، وغيرها من المعطيات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد