مع القرار الوشيك للرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس المباركة عاصمة لإسرائيل هل يملك العرب وسائل للتأثير في القرار الأمريكي؟ يمتلك العرب الكثير جدًا من أدوات الضغط والتأثير التي يستطيعون بها التأثير على صانع القرار الأمريكي مثل القواعد الأمريكية في البلاد العربية ورؤوس الأموال العربية الهائلة في أمريكا وعلاقات الشراكة الكثيرة ببن الحكومات والأثرياء العرب والشركات الأمريكية، كما يمتلك العرب احتياطات هائلة من النفط والغاز  ويسيطرون شكلًا على  خطوط الملاحة في المحيط الهندي والبحر الأحمر  وقناة السويس. والأسواق العربية الضخمة المهمة بالنسبة للشركات الأمريكية ومبيعات الأسلحة الأمريكية للعرب والأهم الموقع الجغرافي للمنطقة العربية وقربها من القوى المنافسة أو الصاعدة والتي يمكن أن تنافس أمريكا مثل روسيا والصين والهند.

ولكن هل فكر القادة العرب في استخدام ما يملكون من قوة وتأثير على الولايات المتحدة؟ وهل يملك القادة العرب الرغبة في استخدام ما يملكون من عناصر القوة؟ إن القوة حين يراد استخدامها لابد أولًا من توافر عناصرها. وبعد ذلك لابد من توافر القدرة على استخدام ما يملكون من عناصر القوة. وبعد ذلك لابد من توافر الإرادة على استخدام عناصر هذه القوة لتحقيق الأهداف. ثم لابد للخصم أن يعلم بوجود عناصر القوة والرغبة في استخدامها لدى الطرف الآخر.

ولكن هل يملك القادة العرب الرغبة في استخدام ما يملكون من عناصر متنوعة للقوة الشاملة؟ وهل يملكون القدرة والشجاعة على استخدامها لتحقيق مصالح بلادهم؟ وهل يقدرون حتى على التهديد باستخدامها؟ مع أن مجرد التهديد دون الرغبة في تنفيذ التهديد عند الضرورة يجعله والعدم سواء.

إن العرب في تعاملهم مع الولايات المتحدة لا يتعاملون معها كقوة موحدة ولكن كجزر منعزلة ولذلك يسهل جدًا على الولايات المتحدة اختراقهم والتلاعب بهم واحدًا تلو الآخر.

كما أن الولايات المتحدة تستطيع تهديد القادة العرب بفقد كراسيهم وهي تستطيع فعل الكثير في هذا الشأن وتعطي معظم القادة العرب إيحاء بأنها هي التي تحمي عروشهم مقابل حماية مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

ومعظم الحكام العرب على استعداد دومًا للتنازل عن القدس وفلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة أو المهددة بالاحتلال مقابل الاحتفاط بعروشهم في حياتهم ثم توريثها لأولادهم. والبقاء في السلطة أهم لديهم من استرداد المسجد الأقصى ولقد رأينا من قادة العرب من تنازل عن أراضي بلاده طمعًا في الحصول على  شرعية يفتقدها.

أما رؤوس الأموال العربية والأرصدة المالية الهائلة في الولايات المتحدة وبدلًا من أن تكون نقطة قوة لصالحهم وكذا مساهماتهم في كبرى الشركات الأمريكية فإنها تحولت إلى نقطة ضعف خوفًا من تجميد الولايات المتحدة لهذه الأموال والأرصدة.

أما البترول فقد أعلن وزير سعودي وأحد الأمراء منذ عدة سنوات وبكل صراحة ووضوح أن عهد استخدام البترول سلاحًا قد انتهى إلى غير رجعة وبهذا تنازل وبلا مقابل عن أحد أهم وسائل التأثير  وعناصر القوة.

وأيضًا الاستثمارات الأمريكية في المنطقة وبدلًا من أن تكون نقطة قوة لصالح العرب عبر التهديد باستبدال استثمارات أوروبية أو صينية بها إلا أنهم يخشون سحب هذه الاستثمارات ولهذا تحولت لنقطة ضعف تضاف لنقاط ضعفهم.

أما الممرات المائية التي تشكل شريان الحياة للتجارة الأمريكية مع الشرق الأوسط وآسيا وشرق إفريقيا فيتعلل العرب بالاتفاقيات الدولية لحرية الملاحة في حين أن الدول القوية تتمسك بالاتفاقيات الدولية فقط حين تكون لمصلحتها وإلا فإنها تتلاعب بها وبتفسيراتها.

أما القواعد الأمريكية في البلاد العربية ورغم أنها أنشئت للدفاع عن مصالح الولابات المتحدة في المنطقة إلا أن شيوخ الخليج وملوكه يعتقدون أن هذه القواعد لحماية عروشهم وتثبيت ملكهم ولذا ليس هناك مجرد تفكير في الطلب من الولايات المتحدة إخلاء هذه القواعد. بل بعض الدول تظن أن هذه القواعد تحميها من أطماع جيرانها العرب الأكبر مثل قاعدة العيديد الأمريكية في قطر والتي يراها القطريون تحمي بلدهم من الأطماع السعودية القديمة في قطر ولعل الأزمة الأخيرة بين قطر والسعودية توضح ذلك.

أما مبيعات الأسلحة الأمريكية للمنطقة العربية وهي الأكبر على مستوى العالم ورغم أنهم يشترون أسلحة أكبر من إمكانات جيوشهم إلا أنهم في الغالب مجبرون على شراء الأسلحة الأمريكية مع أن البدائل للأسلحة الأمريكية سواء من أوروبا أو روسيا أو الصين يمكن أن تكون أقل سعرًا وأقل في القيود التكنولوجية والاستراتيجية التي تفرضها أمريكا على مبيعات السلاح للمنطقة  العربية ولكن القادة العرب يتم إجبارهم على تنفيذ تلك الصفقات الضخمة كما حدث في زيارة ترامب الأخيرة للسعودية والتي عاد منها بعقود تسليحية بعدة مئات من المليارات من الدولارات. ورغم أن لوبي صناع الأسلحة هو الأقوى في الولايات المتحدة في التأثير على السياسة الأمريكية إلا أن القادة العرب لم يحاولوا أبدًا محاولة استخدام ذلك اللوبي لتحقيق مصالحهم.

الثابت من هذا المقال المختصر أن العرب يملكون الكثير من عناصر القوة الشاملة التي يستطيعون بها التأثير على القرار الأمريكي بقوة لو أحسنوا استخدامها.

لكنهم لا يملكون القدرة ولا الرغبة ولا حتى التهديد باستخدام ما يملكون ولذا فكل ما يملكون من وسائل للقوة يساوي صفرًا كبيرًا. تمامًا مثل لو أن إنسانًا يملك مسدسًا محشوًا بالرصاص قابله لص وسرق ما معه بالإكراه بعدما علم أنه لن يستخدم مسدسه في الدفاع عن نفسه. هذا حال العرب اليوم.

أما جارتهم إيران ورغم أن ما تملكه من أسباب القوة أقل كثيرًا من العرب إلا أنها تصرح دائمًا بأنها ستسخدم قوتها في الدفاع عن مصالحها وهي جادة في ذلك ولذلك كان التعامل الأمريكي والغربي معها مختلفًا وفي المعاهدة الخاصة بالأنشطة النووية الإيرانية حصلت على مكاسب كبيرة من الغرب مقابل الموافقة على مراقبة أنشطتها والسماح باستمرارها في عمليات محدودة من تخصيب اليوارنيوم.

وكذا الأمر مع كوريا الشمالية التي تهدد دائمًا باستخدام قوتها إذا تعرضت للتهديد وزادت من قوة صواريخها لتصل إلى الأراضي الأمريكية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!